الدورات الشعبية صنعت سنداً استراتيجياً لملحمة الساحل الغربي
صنعاء سيتي | مقالات | مرتضى الجرموزي
في مرحلة استثنائية من تاريخ المنطقة، وفي غمرة الملاحم الإيمانية التي خاضتها أمتنا بالتزامن مع معركة “طوفان الأقصى” والمواقف المبدئية المسانِدة للشعب الفلسطيني المظلوم في غزة، تجلّت إرادة الأحرار في أبهى صورها، وأثبتت التجربة اليمنية أن التعبئة العامة الشعبية هي تحول استراتيجي يصنع فارقاً ميدانياً حاسماً على أرض المعركة.
لقد أطلقت وزارة الدفاع وهيئة الأركان بصنعاء، بالتعاون مع لجان التعبئة العامة في العاصمة وبقية المحافظات، “دورات طوفان الأقصى الثقافية والعسكرية الشعبية”؛ والتي لم تكن مجرد برامج تدريبية فحسب، فقد تشكلت كمحطةٍ فارقة ومدرسة إيمانية وعسكرية شاملة.
صقلت هذه الدورات المهارات والتخصصات وصنعت رجالاً مؤمنين صادقي الولاء لله ورسوله، ينبضون بعزة الإسلام ويحملون روح الجهاد والتضحية، متسلحين بالعقيدة القتالية والمهارات الميدانية، ليكونوا الرصيد الحيوي والرافد العقائدي الحاسم للمؤسسة العسكرية والأمنية والجيش اليمني المجاهد الذي استطاع أن يتجاوز كل أشكال التدريب والتأهيل تحت أصعب الظروف الاستثنائية وأشدّها تحدياً.
ولم تكن هذه الدورات بمعزل عن مسار المواجهة الشاملة، وإنما امتد أثرها الميداني ليكون جزءاً لا يتجزأ من الملاحم الوطنية التي توجت بتطهير وتحرير مساحات واسعة من الوطن في جبهات متعددة، وبفضل الله وتوفيقه، أثمر هذا البناء الإيماني الصلب إنجازاً ميدانياً تاريخياً وتجلى في عملية التحرير الواسعة في الساحل الغربي: عملية “والله أشد بأساً وأشد تنكيلا”.
امتدت هذه الملحمة الاستراتيجية على مساحة تتجاوز 5400 كيلومتر مربع في شريط ساحلي وحيوي يشكل شريان الحياة الاستراتيجي لليمن، حيث انطلقت التحركات والعمليات العسكرية البرية الكبرى من الخوخة وحيس، مروراً بمديرية المخاء وموزع، ووصولاً إلى الوازعية وذوباب وباب المندب وكهبوب وغيرها من المناطق ذات الأهمية الجغرافية والعسكرية الكبرى التي تطل على واحد من أهم الممرات المائية في العالم.
وكان لرجال التعبئة العامة الشعبية والخريجين من دورات “طوفان الأقصى” دور جوهري ومحوري إلى جانب إخوانهم من مجاهدي الجيش اليمني، حيث أظهروا كفاءة عالية وثباتاً ميدانياً عكس مستوى التدريب والإعداد الذي تلقوه في دوراتهم المفتوحة.
إن انتصار الحق والمظلومية والدفاع عن المستضعفين ليس مجرد حظوة عسكرية بل هو وعد إلهي تجلّى عندما اندحرت قوى الباطل وتهاوت أمام ثبات المؤمنين؛ حيث سُحق ما يصل إلى 38 لواءً عسكرياً وتشكيلات أمنية وفرقاً مدعومة بأحدث العتاد وأعتى دعم لوجستي واستخباري.
ورغم تحصينات العدو والتحديات الحاضرة في عصر الفضاء والتقنيات المكشوفة، إلا أن معية الله كانت هي الحصن المنيع، وعندما حانت ساعة الصفر وانطلقت العملية، انكسرت خطوط العدو الدفاعية، وتلاشت تشكيلاته، وفشلت خططه الاستخباراتية والأمنية، ليُثبت الميدان مجدداً هشاشة ضعف الشيطان وأوليائه ومصداق قوله تعالى: «وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ».
إن الربط بين الموقف المبدئي المسانِد لقضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين، وبين إعداد القوة وحماية الأرض اليمنية، يوضح كيف تحولت هذه الدورات الشعبية إلى حاضنة صلبة ومصدر رفد لا ينضب للقوات المسلحة اليمنية، فقد امتزج الإعداد المعنوي بالتدريب العسكري العالي، ليتجلى ذلك كله في انتصارات ميدانية أعادت رسم الخارطة العسكرية في الساحل الغربي.
وأكّدت هذه الملحمة الخالدة أن قوة السلاح والعتاد تطيش أمام عقيدة الإيمان وثبات أهل الحق مصداقاً لقوله تعالى: «وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا»، وأن إرادة الشعب المعبأة بالوعي والبصيرة والحق هي السلاح الأكثر تأثيراً في حماية السيادة الوطنية وتأمين المنافذ الاستراتيجية للبلاد، وأن الله جلّ وعلا مع أوليائه وأهل الدفاع المشروع عن دينهم وأمتهم: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ».«إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ»
التعليقات مغلقة.