حرب التحمل والصمود.. كيف تعكس إيران كلفة الضغط وتُفشل حسابات واشنطن؟
صنعاء سيتي | تقرير خاص
خلافا للرهانات الأمريكية الأولى التي اعتقدت أن التفوق العسكري الكاسح قادر على إسقاط النظام في إيران سريعاً، أفرزت أسابيع المواجهة واقعاً استراتيجياً مغايراً؛ إذ أدركت واشنطن أن الحسم لا يتحقق عبر القوة وحدها، بل عبر القدرة على تحمل التكلفة.
وفي مواجهة استراتيجية الضغط القصوى التي قادها الرئيس دونالد ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت —من حصار بحري وجوي متصاعد إلى العقوبات— طوّرت طهران عقيدة رد مقابلة قوامها “محاصرة الحصار” لقلب طاولة التكاليف على الإدارة الأمريكية وحلفائها.
لم تستسلم طهران لإجراءات الحصار البحري وتقييد مسارات التصدير، بل عمدت إلى عكس الضغط ونقله خارج حدودها الجغرافية:
-
تسعير المخاطر في هرمز: أدى الرد الإيراني عبر التهديد والتحكم بمضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في كلفة التأجير اليومي لناقلات النفط العملاقة (ليصل إلى نحو مليون دولار يومياً في بعض الفترات).
-
ارتداد التضخم على واشنطن: انتقلت هذه التكاليف، إلى جانب قفزات أسعار النفط والديزل، لتضرب الاقتصاد العالمي وتنعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطن الأمريكي عبر تضخم سلعي ضاغط يعيد رسم الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة قبيل المحطات الانتخابية.
مع توسيع واشنطن نطاق عقوباتها ليشمل قطاع الطيران (عبر إدراج عشرات الشركات على قوائم الحظر) والحديث المحتمل عن الضغط عبر الممرات البرية، تبرز ميزة إيران الجيوسياسية الفريدة:
-
شبكة ممرات عابرة للقارات: إيران ليست مجرد دولة معزولة، بل هي عقدة ربط إقليمية حيوية تضم الممر الشمالي-الجنوبي (الربط بين الهند، الخليج، القوقاز، روسيا وأوروبا)، وممرات الشرق-الغرب الرابطة مع تركيا والعراق وآسيا الوسطى.
-
الالتفاف على الحصار: اعتمدت طهران على تحويل أجزاء من تجارتها نحو الطرق البرية (عبر تركيا ودول الجوار) وشبكات النقل البديلة، مما يفرض تكاليف باهظة ليس على إيران وحدها، بل على الدول والأسواق المرשة بتلك الشبكات والتي ستتحمل أعباء قطع اتصالها التجاري.
تتمحور المعركة اليوم حول سؤال جوهرى يتجاوز عدد الممرات التي تستطيع الولايات المتحدة إغلاقها: هل تمتلك واشنطن القدرة السياسية والاقتصادية على إدارة تبعات وتكلفة هذا الإغلاق؟
-
فبينما تحاول الإدارة الأمريكية فرض حصار متعدّد المستويات (بحري، جوي، وربما بري)، فإن جزءاً هائلاً من الفاتورة الاقتصادية يرتد إلى أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد الغذائي، وحتى أسواق سندات الخزانة الأمريكية.
-
تختزل هذه الحرب حقيقة أن إيران تمتلك شبكة معقدة من البدائل والخيارات (الاقتصادية والتجارية والدبلوماسية)، مما يجعل الرهان على “الخنق التام” مغامرة مكلفة قد تفقد فيها واشنطن حضورها ومصالح حلفائها، وتثبت أن بقاء الطرق وإزالتها من الخريطة يُقاس بمدى قدرة القوى العظمى على تحمل تبعات ذلك الفراغ.
التعليقات مغلقة.