عصر “الكتلة الدقيقة”.. كيف أعادت إيران هندسة قواعد الحرب واستنزفت القوى الكبرى؟
صنعاء سيتي | تقرير خاص
في تحليل عميق نشره في مجلة “فورين أفيرز”، يُسلط نائب مساعد وزير الحرب الأمريكي الأسبق، مايكل سي. هورويتز، الضوء على التحول الجذري الذي فرضه النموذج الإيراني في فن الحرب الحديث. ويؤكد هورويتز أن المواجهة أثبتت كيف يمكن للدول الأقل قوة عرقلة الجيوش العظمى، محولةً النزاعات إلى عمليات استنزاف مفتوحة لا يُقاس فيها القرار السياسي بما يمكن تدميره، بل بما تحمله الخزائن من كُلف باهظة.
يُعرّف هورويتز الظاهرة الأساسية التي تجلت في هذه الحرب بـ “الكتلة الدقيقة” (Precision Mass)، وتعني الاعتماد على أسلحة موجهة بدقة، زهيدة الثمن، وعالية حجم الإنتاج.
-
أخفقت الجيوش التقليدية الكبرى، وفي مقدمتها الجيش الأمريكي، في حسم الحروب الشاملة بالاعتماد حصرياً على ترسانات صغيرة من الأسلحة فائقة التطور والباهظة الثمن (مثل مقاتلات إف-35 وصواريخ توماهوك).
-
أثبتت التجربة قدرة الدول الأضعف على مجاراة القوى الكبرى عبر إطلاق أسراب متلاحقة من الهجمات الرخيصة التي تفتك بالبنى التحتية وتستنزف القدرات الدفاعية المتقدمة.
تكمن المعضلة الكبرى التي تواجهها واشنطن وحلفاؤها في الفجوة الفلكية بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع:
-
المعادلة غير المتكافئة: لا يمكن لأي جيش في العالم الاستمرار إلى ما نهاية في اعتراض طائرات مسيّرة هجومية (مثل “شاهد-136”) تبلغ كلفة الواحدة منها 35 ألف دولار، باستخدام صواريخ اعتراضية باهظة كـ “باتريوت” أو “إس إم-6” التي تصل كلفة الصاروخ الواحد فيها إلى 4 ملايين دولار.
-
النتيجة الاستراتيجية: رغم إلحاق الولايات المتحدة وإسرائيل أضراراً بمليارات الدولارات عبر قصف آلاف الأهداف في إيران، إلا أن النظام الإيراني حافظ على صلابته، وسارع لتعويض قياداته، وأغلق مضيق هرمز، مما رفع أسعار الطاقة عالمياً ومنحه نفوذاً سياسياً مضاعفاً، بينما تعرضت مخزونات واشنطن الاستراتيجية لاستنزاف حاد يهدد جاهزيتها لردع أطراف أخرى كالصين.
عزا التقرير الأداء الإيراني “المفاجئ” واستمرارية نظامه إلى عدة مرتكزات أساسية:
-
الاستعداد المبكر: امتلاك طهران لاستراتيجيات دفاعية وهجومية وُضعت منذ زمن طويل لمواجهة احتمالات الضربات الأمريكية الإسرائيلية، مما أتاح لها إعادة ترتيب هرمها القيادي بسرعة بعد اغتيال كبار قادتها.
-
الاكتفاء وتأمين الاقتصاد: قدرة الدولة على استيراد الحد الأدنى من السلع الحيوية لمنع الانهيار الكامل للاقتصاد بالرغم من الحصار البحري الأمريكي المشدد.
-
الترسانة البديلة: الاستثمار المكثف والمبكر في أنظمة الهجوم بعيدة المدى والصواريخ الباليستية والمسيّرات الرخيصة، والتي عوّضت حرمانها من بعض القدرات العسكرية الجوية المتقدمة.
يخلص هورويتز إلى أن مستقبل الحروب بات محكوماً بالانتقال نحو أنظمة “الكتلة الدقيقة”، مسلطاً الضوء على مفارقة اقتصادية وتنظيمية هامة:
-
مأزق الجيوش الكبرى: تجد الجيوش التقليدية المصممة حول أسلحة معقدة وباهظة صعوبة بالغة في التكيف السريع مع متطلبات الإنتاج الضخم للأسلحة الرخيصة، كونها تتطلب عقائد قتالية وأنماط تدريب مختلفة كلياً.
-
ضرورة الإصلاح الأمريكي: دعا الكاتب وزارة الحرب الأمريكية إلى الإسراع في توسيع إنتاج أسلحة “الكتلة الدقيقة”، الاستثمار بكثافة في تطوير وسائل دفاعية منخفضة الكلفة، وإصلاح الهياكل التنظيمية.
-
عقبة القيادة: يختتم هورويتز بالتحذير من أن إنجاز هذا التحول يتطلب استقراراً قيادياً وخططاً طويلة الأمد في البنتاغون، في ظل التبدل السريع والمتكرر للقيادات العسكرية والمدنية.
التعليقات مغلقة.