شهيد الإسلام والإنسانية السيد نصر الله.. القائد الذي لم يتخلَّ عن اليمن حين تخلى عنه العالم
صنعاء سيتي | تقرير | محسن علي
في مثل هذه الأيام، تحل ذكرى استشهاد الأمين العام لحزب الله شهيد الإسلام والإنسانية سماحة السيد حسن نصر الله- رضوان الله تعالى عليه-، الذي ارتقى شهيداً سعيداً بعد مسيرة حافلة بالجهاد والعطاء والتضحية في سبيل الله ونصرة المستضعفين في العالم العربي والإسلامي والذي منها اليمن.. حيث لم يكن اليمن والشعب اليمني بعيداً عن وجدان هذا القائد الكبير، بل كان حاضراً في مختلف خطاباته وكلماته ومواقفه المشرفة ووجوده يخصص مساحة واسعة للحديث عنه في كل مرحلة ومنعطف، بل وكان شاهدا على الجريمة يذكر العالم بمظلوميته ومعاناته ويفضح الصمت الدولي ويحث على نصرة شعبه، فمنذ اللحظة الأولى التي انطلق فيها العدوان الأمريكي السعودي على اليمن وأول غارة أمريكية سعودية استهدفت العاصمة صنعاء في مارس 2015، ومن على منابر بيروت، أعلن موقفه الواضح: “اليمن ليس وحده، والعدوان على اليمن هو عدوان على الأمة بأكملها” فكان صوته يصدح مدافعاً عن اليمن، مندداً بالعدوان، داعياً إلى وقفه، واعتبار ما يجري فيه جريمة بحق الإنسانية، وفي ذكرى استشهاده، يستحضر اليمنيون مواقف القائد العظيم الذي لم يخذلهم يوماً، والذي كان يقول كلمة الحق في وجه أعتى القوى، حتى آخر يوم في حياته.
بعد بدء العدوان السعودي على اليمن في مارس 2015، لم ينتظر السيد حسن نصر الله اتضاح نتائج الحرب كي يحدد موقفه، ففي كلمته خلال مهرجان التضامن مع اليمن في بيروت، في 17 أبريل 2015، أعلن رفضه وإدانته للعدوان السعودي الأمريكي، وأكد تضامنه مع الشعب اليمني، معتبرًا أن الوقوف إلى جانبه مسؤولية إنسانية وأخلاقية ودينية، وقال في ذلك الخطاب: «من واجبنا الإنساني والأخلاقي والجهادي والديني أن نتخذ هذا الموقف»، مضيفًا: «لن يمنعنا شيء، لا تهويل ولا تهديد ولا تبعات، من أن نواصل إعلاننا لهذا الموقف» حيث تكشف هذه العبارات طبيعة المقاربة التي اعتمدها نصر الله تجاه اليمنـ، فقد تجاوز الحسابات السياسية المباشرة، ووضع الحرب في إطار مسؤولية أخلاقية تجاه شعب يتعرض للقصف، ومسؤولية سياسية تجاه قضية السيادة والاستقلال، كما رفض منذ البداية تقديم العدوان باعتباره حربًا عربية داخلية، أو مواجهة طائفية، أو عملية محدودة الأهداف.
في خطابه نفسه، ناقش نصر الله المبررات التي قدمتها الرياض للحرب، ومنها إعادة ما سُمّي «الشرعية»، ومواجهة التهديد اليمني، ومنع النفوذ الإيراني، وخلص إلى أن الهدف الحقيقي، من وجهة نظره، هو إعادة الهيمنة والوصاية السعودية والأمريكية على اليمن بعد استعادة شعبه قراره السياسي، ولم يكتفِ برفض التبرير السياسي، بل واجه أيضًا محاولات تصوير الحرب باعتبارها دفاعًا عن عروبة اليمن، وذكّر بأن اليمن جزء أصيل من التاريخ العربي والإسلامي، وأن الاعتداء عليه لا يمكن أن يحمل صفة الدفاع عن العرب، كما حذّر من منح العدوان غطاءً طائفيًا، مؤكدًا أن ما يجري ليس حربًا سنية شيعية، بل عدوانًا سياسيًا على بلد عربي، وكان هذا التفكيك مهمًا في لحظة سعت فيها ماكينة إعلامية واسعة إلى احتكار تعريف الحرب وأهدافها. وقد وضع نصر الله مبكرًا سؤالًا مركزيًا ظل يتكرر لاحقًا: هل جاءت الحرب لإعادة الاستقرار فعلًا، أم لإعادة إخضاع اليمن ومنع شعبه من امتلاك قراره؟
في 5 مايو 2015، وبعد إعلان التحالف انتهاء عملية «عاصفة الحزم» والانتقال إلى «إعادة الأمل»، قدّم نصر الله قراءة مبكرة لنتائج الجولة الأولى، ورفض الادعاء السعودي بتحقيق الأهداف، مطالبًا بعرض إنجاز واحد يمكن التحقق منه بقوله «إننا أمام فشل سعودي صريح وواضح وانتصار يمني صريح وواضح»، وأضاف: «دلوني على هدف واحد وليس عن كامل أهداف عاصفة الحزم قد تحقق حتى الآن»، لم تكن أهمية هذا الموقف في حدته الخطابية فقط، بل في اعتماده على معيار عملي لتقييم الحرب: هل عادت القيادة المدعومة سعوديًا إلى اليمن؟ هل صودرت أسلحة الجيش واللجان؟ هل توقفت التحركات اليمنية؟ هل عادت الهيمنة التي أعلنت الرياض أنها تريد استعادتها؟ وبذلك نقل النقاش من الدعاية إلى اختبار النتائج، كما رأى أن تغيير اسم العملية من «عاصفة الحزم» إلى «إعادة الأمل» لم يكن إعلانًا حقيقيًا لنهاية الحرب، بل محاولة لإعادة صياغة الفشل وتقديمه كمرحلة جديدة، وانتقد التناقض بين شعار حماية المدنيين والواقع الميداني، قائلًا: «حماية المدنيين بالمزيد من قتل المدنيين».
ركز الشهيد القائد نصر الله في مواقفه على أن الحرب والعدوان لم تقتصر على الغارات، بل شملت حصارًا بحريًا وجويًا وبريًا أدى إلى تعطيل وصول الغذاء والدواء والوقود والمساعدات، واعتبر أن الضغط على الشعب عبر تدمير مقومات الحياة لن يكسر إرادته، بل قد يزيده تمسكًا بالمقاومة، وفي هذا السياق، قال إن سياسة الضغط على المجاهدين اليمنيين عبر قتل أهلهم وقصف نسائهم وأطفالهم وتدمير بيوتهم «سياسة فاشلة»، مستشهدًا بتجارب لبنان وغزة وفيتنامـ، وتحوّل هذا الموقف إلى أحد الثوابت في خطابه عن اليمن؛ فالمسألة لم تكن بالنسبة إليه مواجهة عسكرية فحسب، بل حربًا على مجتمع كامل، وعلى حقه في البقاء والقرار والكرامة.
عقب الغارة السعودية بالقنابل الأمريكي على مجلس عزاء في الصالة الكبرى بصنعاء في 8 أكتوبر 2016، رفع نصر الله صوته في مواجهة الصمت الدولي، وتساءل: «أين مجلس الأمن والموقف الدولي والعالم الإسلامي والعربي من سقوط مئات الشهداء في غارة على الصالة الكبرى في صنعاء؟» كما أشار إلى أن ما بين 15 و20 مليون يمني كانوا يعيشون تحت الحصار، في توصيف يعكس اتساع الكارثة الإنسانية ، ولم يتعامل مع المجزرة كحادث منفصل، بل وضعها ضمن نمط من استهداف المدنيين وغياب المحاسبة، معتبرًا أن الصمت الدولي لا يساوي الحياد، بل يمنح المعتدي مساحة لمواصلة الحرب والإجرام.
مع استمرار وتيرة العدوان ، لم يتغير موقف نصر الله، بل انتقل من إدانة العدوان إلى الإشادة بقدرة اليمنيين على الصمود، وفي خطاب الذكرى الحادية عشرة لانتصار تموز عام 2017، دعا إلى «صرخة عالمية وعربية وإسلامية» لوقف العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وقال: «من أجل إيقاف الكارثة الإنسانية في اليمن يجب أن يطالب العالم كله أمريكا والسعودية بوقف العدوان»، وفي تلك المرحلة، رأى نصر الله أن الحرب كشفت فشل الرهان على إخضاع اليمن بالقوة، وأن الصمود اليمني أصبح عاملًا حاسمًا في منع تحقيق أهداف العدوان، كما ربط بين تجربة المقاومة في لبنان والتجربة اليمنية، لا باعتبارهما متطابقتين، بل لأنهما تشتركان في مواجهة التفوق العسكري بالثبات، والاعتماد على المجتمع، ورفض الاستسلام.
في آخر عام من حياته، اتسع حديث نصر الله عن اليمن ضمن سياق معركة فلسطين، وبعد بدء العمليات اليمنية ضد السفن المرتبطة بالعدو الإسرائيلي في البحر الأحمر، رأى أن اليمن لم يعد يقاوم من أجل قضيته الوطنية فقط، بل يشارك في إسناد غزة ورفض استمرار الحرب عليها، وفي يناير 2024، وصف العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن بأنه «حماقة أمريكية وبريطانية وتناقض أمريكي»، محذرًا من أن البحر الأحمر قد يتحول إلى ساحة قتال، وقال أيضًا: «الأخطر أن ما فعله الأميركيون في البحر الأحمر سيضر بأمن الملاحة البحرية كلها»، مشيرًا إلى أن التصعيد سيجعل المنطقة أكثر اضطرابًا ولن يوقف الموقف اليمني، كما أكد أن الرد اليمني يقرره اليمنيون، وأن الاعتقاد بإمكان تراجعهم بعد القصف الأمريكي والبريطاني هو خطأ في قراءة طبيعة الشعب اليمني، وفي العبارة الأكثر دلالة على موقفه، قال: «ميزان الحق هو مع اليمن لأنه مع فلسطين»، وبهذا الانتقال، أصبح اليمن في خطابه جزءًا من معادلة إقليمية تتجاوز حدوده، فالمقاومة اليمنية، في قراءته، لم تعد مجرد رد على حرب سابقة، بل قوة تفرض حضورها في البحر الأحمر وتربط أمن الملاحة بوقف العدوان على غزة.
استمر نصر الله في دعم اليمن حتى أسابيع ما قبل استشهاده، ضمن موقفه الأوسع من جبهات الإسناد للمقاومة الفلسطينية، ولم يكن دعمه قائمًا على التصريحات وحدها، بل على تثبيت مكانة اليمن في الوعي السياسي لمحور المقاومة، باعتباره طرفًا يملك قراره، ويخوض معركته، ويحدد شكل رده، وفي 27 سبتمبر 2024، استشهد نصر الله في غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، وجاء استشهاده بينما كانت المنطقة تعيش تصعيدًا مفتوحًا على جبهات متعددة، بينها اليمن ولبنان وغزة، وهكذا اختتم حياته، لا مواقفه؛ فقد بقيت كلماته عن اليمن مرتبطة بمرحلتين: مرحلة كشف العدوان والحصار، ومرحلة الاعتراف بأن الصمود اليمني تحول إلى عنصر فاعل في معادلة المنطقة.
لم يكن السيد حسن نصر الله عابرًا في ذاكرة اليمن؛ كان صوتًا وصل إلى صنعاء في اللحظة التي أراد فيها المعتدون عزلها، وشهادةً سياسية وأخلاقية حين حاول العالم أن يصمت، وقراءةً مبكرة حين ظن أصحاب القوة أن الغارات قادرة على صناعة الخضوع، فمن أول إدانة للعدوان، إلى فضح أكذوبة «تحقيق الأهداف»، ومن سؤال الصالة الكبرى إلى الدعوة لوقف الحصار، ثم إلى تثبيت حق اليمن في إسناد فلسطين، ظل موقفه واحدًا: لا شرعية لحرب تُفرض على شعب، ولا أمن لمن يطلبه فوق أشلاء الآخرين، ولا نصر لمن يعجز عن كسر إرادة شعب يدافع عن حريته.
رحل الشهيد القائد، لكن اليمن الذي نصره في كلماته ظل حاضرًا في معادلات المنطقة، وبقيت عبارته الأخيرة عن اليمن وفلسطين تختصر المسار كله: «ميزان الحق هو مع اليمن لأنه مع فلسطين»، وفي ذكرى استشهاده، لا يستعيد اليمنيون خطبه بوصفها ذكرى، بل بوصفها عهدًا بأن الموقف الذي بدأه نصرةً لشعبٍ مظلوم سيبقى جسرًا بين المقاومة والكرامة، وبين دم الشهيد وإرادة الشعوب.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.