كيف حطم اليمن أسطورة التفوق العسكري للأعداء
صنعاء سيتي | مقالات | هاشم عبدالجليل جحاف
تتكسر كافة المفاهيم النمطية التي سادت لعقود ماضية حول القوة والنفوذ في المنطقة على يد القوات المسلحة اليمنية وخططها المغايرة، حتى بات الحديث السائد اليوم عن تحول أثبت أن القوة تتمثل بالقدرة على فرض قواعد المواجهة العملياتية بميدانها وتوقيتها، وتطوير الردع، واسترداد الحقوق السيادية.
وتتحدث شواهد الميدان بعمليات استباقية استهدفت تحشيدات العدو السعودي، ومخازن الأسلحة، ومنصات إطلاق الصواريخ، وغرف القيادة والسيطرة؛ مما يعكس جهود الرصد والحصول على المعلومة من عمق العدو، ودقة الاستهداف التي تنسف قدرات العدو التسليحية المتطورة ومخططاته في اللحظات الأخيرة من كمالها وقبل الخطوة الأولى من تفعيلها.
وما كشفت عنه العمليات العسكرية اليمنية منذ مطلع الشهر الجاري يؤكد أن حقائق الميدان هي من تجبر الخصم على الصراخ والتراجع أمام معادلة اليمن الماضية نحو هدفها بثبات: “الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد”، وهي التي أفقدت أسلحة العدو فاعليتها بعد أن حولتها الصواريخ والمسيرات اليمنية إلى أكوام خردة تحترق أو غنائم بيد القوات المسلحة اليمنية بعد أي عمليات برية.
وأثبتت سنوات المواجهة أن التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والتفوق الجوي للعدو السعودي تحطمان أمام التكتيكات اليمنية التي أجبرت القوى العسكرية الأمريكية والبريطانية والصهيونية خلال عامين من الإسناد على الهروب والتراجع من المواجهة في البحر والجو، وهو الدرس الذي لم تفهمه الرياض إلا بعد تلقي الصفعات المتتالية لتنتقل من إملاء الشروط إلى مربع البحث عن حلول عبر تحالفات ووساطات غير مضمونة النتائج.
وبدمج القوات المسلحة اليمنية للعمليات المستهدفة للأهداف العسكرية والاقتصادية في عمق العدو وتحشيداته في المناطق والمحافظات المحتلة، وصلت تأثيراتها إلى أسواق الطاقة العالمية، ليقف العالم مشدوهاً أمام البأس اليمني وهو يمرغ أنف العدو السعودي وتحالفاته السابقة في البحر والبر.
وبعد اثني عشر عاماً من الصبر والصمود والبناء اليمني، بدأت القوات المسلحة اليمنية والشعب جني الثمار، ابتداءً من التحكم بمعادلة البحر الأحمر وباب المندب، وربط مظلومية الشعب وقضايا الأمة بالأمن البحري والتجارة الدولية، متحولاً إلى حارس أمين ومتحكم رئيسي في واحد من أهم المضايق المائية في العالم، وهو ما فرض حضوراً يمنياً كواضع لقواعد الملاحة في المنطقة.
وأمام مشاهد الإعلام الحربي والانتصارات الناجزة، وما سبقها من بناء وإعداد، بات العالم يتساءل: كيف أصبحت القوات المسلحة اليمنية وحكمة صنعاء عصية على الانكسار؟
ولكن الميدان يجيب بصمت الإنجازات وصراخ العدو المرتبك أن وراء هذا الصمود الأسطوري وهندسة القوة المتنامية يقف بناء استراتيجي وتطوير تكتيكي وعقائدي صدم مراكز الدراسات العسكرية الدولية، بدأت بخطوات التصنيع التسليحي الذاتي حين استطاعت كسر قيود الحصار وتطوير بنية تصنيعية محلية أذهلت المراقبين، فنقلت المعركة إلى المستوى الفرط صوتي، وطورت منظومات من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة القادرة على قطع آلاف الكيلومترات وتجاوز أعتى المنظومات الدفاعية المعتمدة عالمياً مثل “باتريوت” و”ثاد”.
يليها إبداع القيادة العسكرية اليمنية في دمج الانضباط والتحكم المركزي المتبع في الجيوش النظامية مع المرونة والسرية وفق منهجية واضحة، مبنية على الاستجابة لله من الإعداد إلى التحرك والنفير، والتسليم المطلق لتوجيهات الله الصارمة في القرآن الكريم في المنشط والمكره، عمودها الفقري الثقة بالله وبوعده ووعيده لعباده المجاهدين في الدنيا، والمعرفة الحقيقية به، مما جعل تشكيلاتها العسكرية غير قابلة للشل أو الاحتواء، وقادرة على المناورة والتكيف تحت أشد أنواع الضغط الجوي والاستخباراتي.
ثم يأتي بعدها الاستفادة من عقدين من المواجهة وتوظيف الخبرات والتضاريس والظروف والمتغيرات إلى أقصى حد ممكن وتطويرها وتحديثها في مختلف المستويات التخطيطية والتنفيذية، يرافقها عقيدة صلبة تؤمن بأن الله هو من إليه عاقبة الأمور، مما جعل القوة اليمنية تزداد صلابة وتنظيماً مع كل جولة تصعيد جديدة.
ويدخل في ذلك الوعي القرآني للقيادة ونقله إلى المجاهدين والحواضن الشعبية، وما له من انعكاس إيجابي في إدارة الأزمات وقراءة العدو ونفسياته وتكتيكاته التي يتحرك بها، ومعرفة الثغرات ورصدها واستغلالها من النفوس إلى المنظومات والأسلحة، والتمكن من إحباطها باقتدار كما كان واضحاً في عملية “والله أشد نصراً وأشد تنكيلاً”.
وأمام تأييد الله ومظاهر رحمته فيما وصلت إليه القوات المسلحة لشعب الإيمان والحكمة، لن تجني أي دولة تسعى للتدخل والتحالف مع العدو السعودي ضد شعبنا اليمني سوى السقوط في مستنقع استنزاف طويل الأمد، حيث تتحول العتاد والإمكانات إلى أهداف سهلة لحرب لا ترحم وتعتمد على كلفة منخفضة ونتائج عالية التدمير، فتدور عليها الدائرة من حيث لم تشعر، ويكون لله اليد العليا في رسم النتائج، وقطعاً ويقيناً أن من يصطف في الخندق الصهيوني السعودي الأمريكي ضد محور الجهاد والمقاومة -أو أي دولة فيه- سيكون مصيره الهزيمة والخسران، وهو ما سينعكس سلباً على بقاء تلك الأنظمة الحاكمة من عدمه إن تورطت؛ لأن الله هو من يرسم المتغيرات ويدير النتائج ويحسمها.
ومن باب النصح، نأمل من الحكومتين الباكستانية والتركية التريث عن التورط، والقراءة الواعية للواقع اليمني منذ بدأ العدوان في تاريخ 26 مارس 2015م، والنظر في نصيحة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- ودراسة هذه المعطيات بعناية وإدراك تام، دون تسرع بالقفز عليها نحو الرهان على خيارات التصعيد التي لن تنتج سوى تعميق الأزمة وزيادة خلط الأوراق في المنطقة، وهو ما يخدم مخططات وأهداف كيان العدو الإسرائيلي والعدو الأمريكي -العدو المشترك للأمة الإسلامية- عبر حرف البوصلة ليتفرغ للتمدد من فلسطين إلى سوريا ولبنان، وصولاً إلى ما يسمى بـ “الشرق الأوسط الجديد” و”إسرائيل الكبرى”.
التعليقات مغلقة.