في ذكرى 21 سبتمبر.. السيد القائد يشرح مسار الصمود وتراكم الردع العسكري وسقوط رهانات التبعية
صنعاء سيتي | تقرير
يضع خطاب قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في الذكرى الثانية عشرة لثورة الحادي والعشرين من سبتمبر مسار المواجهة مع تحالف العدوان أمام مراجعة بنيوية تتجاوز توثيق الوقائع العسكرية إلى تفكيك آليات الصراع وجذوره السيادية؛ فالتحرك الشعبي المقاوم لم يكن مناورة سياسية تستهدف تحسين شروط التفاوض، بل استند إلى مسؤولية ثلاثية الأبعاد—إنسانية، ودينية، ووطنية—شكّلت حصناً استراتيجياً منع سقوط الدولة وأعاد تعريف المعركة باعتبارها دفاعاً حتمياً عن الأرض والوجود والاستقلال الناجز.
هذا التأسيس المبدئي هو ما عطّل مفعول استراتيجية “الصدمة والترويع” التي تبنّاها التحالف الأمريكي-السعودي إبان انطلاق عملياته الجوية؛ إذ بنيت خطط العدوان على فرضية الانهيار المؤسسي السريع وفرض الاستسلام بقوة النيران المتفوقة دولياً. غير أن الثبات الداخلي والوعي الشعبي بطبيعة المخطط التفتيتي حوّلا مسار المعركة من تلقي الضربات إلى بناء نسق دفاعي وتصاعدي متماسك في الميدان، كسر الطوق العملياتي وأسقط أوهام الحسم الخاطف.
ينطلق توصيف السيد القائد لدوافع الدفاع عن الأرض والشرف من قراءة عميقة للمخطط الذي رافق الساعات الأولى للعدوان في مارس 2015؛ حيث سعت قوى التحالف إلى تدمير القواعد الجوية، وغرف القيادة والسيطرة، والمعسكرات المركزية، لفرض فراغ عسكري كامل يمهد لإخضاع القرار السياسي اليمني وجعل كلفة المقاومة غير قابلة للاحتمال شعبياً.
أمام هذا التدمير الواسع، برزت المسؤولية الإيمانية والوطنية كعامل استقرار استراتيجي حمى الجبهة الداخلية من محاولات التصدع والاختراق الأمني والاجتماعي؛ فالمجتمع اليمني تحرك بدافع الحفاظ على كيانه الجمعي من مخططات التمزيق، الأمر الذي حوّل الاستهداف المباشر للبنى التحتية إلى رافد للتعبئة الشعبية المستمرة والنفير نحو الجبهات لمواجهة الغزو البري على امتداد محاور القتال.
لقد أكد استدلال قائد الثورة على هذا البعد أن وعي الشعب اليمني بمشروعية معركته كان الصخرة التي تحطمت عليها الحرب النفسية وشبكات التجسس التابعة للعدوان؛ حيث عجزت الرياض وواشنطن عن خلق حاضنة داخلية تؤيد تدخلها العسكري، وتجذر في المقابل نموذج شعبي متلاحم يرفض الوصاية ويعتبر التفريط في السيادة تهديداً مباشراً للوجود والكرامة الوطنية.
يحمل تأكيد السيد القائد على انطلاق القدرات العسكرية من “نقطة الصفر” دلالة بالغة الدقة توثق الحالة التي كانت عليها الترسانة الدفاعية للجيش اليمني قبل الثورة؛ إذ خضعت تلك الترسانة لعمليات تفكيك وتدمير ممنهجة تمت تحت إشراف الملحق العسكري الأمريكي، وتجسدت في إتلاف منظومات الدفاع الجوي المحمولة على الكتف من طراز “سام” و”ستريلا”، وتجريد الصواريخ الباليستية من فاعليتها العملياتية لإبقاء اليمن مجرداً من أي قوة ردع استراتيجية.
ومع اكتمال الحصار الشامل وتدمير ما تبقى من أسلحة تقليدية في بدايات الحرب، نجحت كوادر التصنيع العسكري في كسر الطوق التقني؛ حيث بدأ مسار التطوير بالهندسة العكسية وتعديل مخزونات صواريخ “توشكا” و”فولغا” السوفيتية وتحويلها إلى منظومات “قاهر” و”بركان”، قبل الانتقال إلى تصنيع صواريخ باليستية ومجنحة تعمل بالوقود الصلب وتعتمد على التوجيه الدقيق، وصولاً إلى إدخال المنظومات الفرط صوتية في المعركة.
هذا التحول التراكمي أحدث صدمة استخباراتية وعملياتية لدى قيادة التحالف التي كانت تصدر بيانات تؤكد فيها تدمير 90% من القدرات الصاروخية لليمن؛ إذ تطور مسار المواجهة من تأمين خطوط الدفاع الحدودية إلى تنفيذ عمليات واسعة في العمق النفطي والصناعي للعدوان، متجاوزة أحزمة الدفاع الصاروخي الأمريكية من طراز “باتريوت” و”ثاد”، لترسخ صنعاء معادلة اشتباك تحمي المكتسبات الوطنية.
-
تحييد المقاتلات التجسسية للتحالف واستعادة السيطرة الجزئية على المسرح الجوي عبر تطوير منظومات الدفاع الجوي.
-
نقل الثقل العملياتي من رد الزحوف التكتيكية إلى استهداف المنشآت الاقتصادية ومصافي النفط في عمق دول العدوان.
-
فرض حظر تصدير النفط الخام عبر الموانئ اليمنية المحتلة لتثبيت معادلة “المرتبات مقابل النفط”.
-
كسر أجهزة الرصد الراداري المتطورة بواسطة أسراب الطائرات المسيّرة الانقضاضية المبتكرة محلياً.
تُبرز القراءة السياسية لخطاب قائد الثورة عمق التناقض الذي يعيشه النظام السعودي؛ ففي حين كان بإمكان الرياض استغلال “مرحلة خفض التصعيد” لإجراء مراجعة عقلانية تنهي الحرب وتعيد بناء العلاقات على قاعدة احترام السيادة وحسن الجوار، فضلت المماطلة وتجميد الاستحقاقات الإنسانية نتيجة خضوعها للقرار الأمريكي الذي يرفض خروج السعودية من المستنقع اليمني دون ضمانات تحفظ الهيمنة الغربية.
ويستدل التحليل بطرح السيد القائد حول غياب أي برنامج سياسي أو استراتيجي خاص للنظام السعودي في معركته مع اليمن؛ فالرياض تدير الصراع بوصفها وكيلاً وظيفياً ينفذ الأجندة الأمريكية والبريطانية والصهيونية في المنطقة، وهو ما أكدته المساعي السعودية لمنع رفع الحصار عن الموانئ والمطارات وعرقلة صرف رواتب الموظفين من الثروات الوطنية، إبقاءً على اليمن تحت الضغط المعيشي الخانق كبديل عن الهزيمة العسكرية.
لقد أوضح الخطاب أن النظام السعودي الذي يروج لمشاريع التنمية والانفتاح الاقتصادي، يرهن أمنه واستقراره لحسابات واشنطن الراغبة في توظيف الأراضي والأجواء السعودية لحماية المصالح الصهيونية وإشغال قوى المقاومة؛ مما يعطل مسار السلام الفعلي ويؤكد أن استمرار المراوحة في مرحلة خفض التصعيد ليس سوى مناورة لإعادة ترتيب أوراق المرتزقة في الميدان بانتظار فرصة تصعيدية جديدة.
إن الثبات الاستراتيجي الذي فرضه اليمن طوال اثني عشر عاماً ينقل المعركة مع تحالف العدوان إلى منعطف حاسم لم يعد فيه تكتيك كسب الوقت مجدياً؛ فالمعادلات العسكرية التي رسختها صنعاء بالاعتماد الكامل على قدراتها الذاتية جعلت من استمرار الحصار وإعاقة استحقاقات الهدنة خطراً مباشراً يهدد استقرار دول العدوان، إذ لم يعد بإمكان الرياض حماية أمنها الداخلي ومنشآتها الاستثمارية الحيوية بينما تواصل خنق الشعب اليمني في لقمة عيشه ومرتباته ومطاراته.
تفرض وقائع الميدان على النظام السعودي التخلي عن دوره الوظيفي كأداة للمشروع الأمريكي-الصهيوني والتقدم الصريح نحو إنهاء العدوان ومعالجة آثاره الإنسانية والاقتصادية؛ فأي مراهنة على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء أو فرض شروط استسلام بالوسائل الاقتصادية ليست سوى هروب إلى الأمام، يدفع نحو جولات تصعيد قادمة تمتلك فيها صنعاء زمام المبادرة والقدرة على كسر الحصار بالقوة المسلحة وإسقاط بقايا التبعية في المنطقة.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.