معادلة الرغيف والسيادة: تفكيك الحرب الاقتصادية وتأصيل مشروعية كسر الحصار في خطاب السيد القائد
صنعاء سيتي | تقرير
تضع القراءة التحليلية لما ورد في خطاب قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، بمناسبة الذكرى الـ12 لثورة الـ21 من سبتمبر، محددات فاصلة لطبيعة المعركة الاقتصادية التي يديرها تحالف العدوان ضد الشعب اليمني؛ إذ فكك السيد القائد خلفيات هذا التصعيد كبديل عن العجز العسكري الميداني. لم يكن استعراض تداعيات الحصار مجرد توصيف للأزمة المعيشية، بل تأطيراً استراتيجياً يثبت أن استهداف العملة والواردات ونهب الثروات يشكل حرب إبادة ممنهجة، تسعى لتحقيق ما عجزت عنه أسراب الطائرات وأسلحة الدمار.
هذا التشخيص المباشر يرفع الاشتباك الاقتصادي من إطار المعاناة الإنسانية المجردة إلى مستوى الصراع الوجودي والسيادي؛ حيث ربط السيد القائد بين تدهور الأوضاع المعيشية والوصاية الخارجية، مؤكداً أن حرمان الشعب من مقدراته ناتج عن سياسات احتلالية تسلب القرار الوطني. وبناءً على ذلك، يؤسس الخطاب لمرحلة حاسمة تسقط منطق الانتظار وتعتمد مشروعية الرد الرادع لانتزاع الحقوق المنهوبة، وفرض معادلات تحمي لقمة العيش وتكسر أدوات الخنق المفروضة على اليمنيين.
استند السيد القائد في تشريحه للحرب الاقتصادية إلى وقائع الاستهداف الشامل لمقومات العيش، مبيناً أن العدو ركّز على ضرب العملة الوطنية وتفريغ المؤسسات من قدراتها لجر المجتمع نحو الانهيار التام. وتؤكد البيانات المالية هذا التدمير الممنهج عبر نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن، وضخ تريليونات الريالات من العملة المطبوعة دون غطاء، مما أدى إلى انهيار القيمة الشرائية في المناطق المحتلة متجاوزة حاجز الـ1900 ريال للدولار الواحد، في مقابل استقرار نقدي فرضته صنعاء بحظر تداول تلك العملة المزيفة.
كما وثّق قائد الثورة جريمة النهب المنظم للثروات السيادية؛ إذ حُرم الشعب اليمني طيلة سنوات العدوان من عائدات النفط والغاز التي كانت كفيلة بتغطية مرتبات موظفي الدولة وتأمين الخدمات العامة. وتُظهر الوقائع نهب عشرات الملايين من براميل النفط الخام عبر موانئ الضبة والنشيمة، وتحويل مليارات الدولارات من عائداتها مباشرة إلى البنك الأهلي السعودي، في وقت يُحرم فيه أكثر من مليون موظف من مستحقاتهم المعيشية، وتتراكم فيه القيود على الواردات عبر آليات التفتيش المعقدة في جيبوتي.
“وصلت الأزمة لدى شعبنا إلى منع الغذاء الضروري.. والتحرك لكسر الحصار مشروع وله كل المبررات.”
وأشار السيد عبد الملك الحوثي إلى التداعيات الإنسانية المباشرة لهذا التضييق الممنهج، مستشهداً بإعلان وزارة الصحة التي أكدت وصول الإمكانيات الطبية إلى نقطة الصفر؛ جراء شح الأدوية والمستلزمات الحيوية ومنع دخول الأجهزة المنقذة للحياة، ما حوّل الأزمة المعيشية إلى أداة قتل صامت تعكس المظلومية الكبرى للشعب اليمني أمام مرأى ومسمع العالم.
كشف السيد القائد عن البعد الأمني الموازي للحرب المعيشية، موضحاً أن تحالف العدوان راهن على استثمار الأزمات الاقتصادية وتوظيف الضائقة المالية لخلخلة النسيج الاجتماعي وتفجير الجبهة الداخلية من الداخل بعد إخفاق خياراته العسكرية.
وقد تجسد إحباط هذا المخطط، كما أشار قائد الثورة، في اليقظة العالية للأجهزة الأمنية والشعبية؛ حيث تُرجم ذلك عملياً في إسقاط وتفكيك شبكات التجسس التابعة للمخابرات الأمريكية والإسرائيلية، التي كانت تدير خلايا استقطاب وتخريب تحت غطاء العمل الإنساني والمنظمات، مستهدفة استقرار المجتمع وتماسكه.
أصل قائد الثورة لمشروعية الرد الدفاعي الحاسم، واضعاً “الكيانات المتباكية” على منشآت العدو السعودي أمام تساؤلات إدانة استنكارية غير قابلة للمواربة: هل يقبل التركي، أو الباكستاني، أو أبناء دول الخليج أن تتدخل السعودية في سياساتهم، أو تغلق مطاراتهم وتمنعهم من السفر، أو تفتش بضائعهم قطعة قطعة في بلد آخر، أو يعيشوا دون مرتبات لأكثر من 11 عاماً؟!
“هل تقبل الكيانات المتباكية مع العدو السعودي أن يُحرم شعبها من ثرواته ويبقى دون مرتبات لأكثر من 11 عاماً؟!”
وانطلاقاً من هذه الحجة البالغة، شدد السيد عبد الملك الحوثي على أن تحرك الشعب اليمني لكسر الحصار تحرك مشروع وله مبرره الكامل؛ فالصمت أمام منع الغذاء والدواء خضوع يرفضه الدين والمنطق، مؤكداً أن صنعاء لن تقف مكتوفة الأيدي بينما تُحرم من ثرواتها وتُدفع نحو الهلاك البطيء.
-
تثبيت حظر تصدير النفط الخام بضربات الردع التحذيرية وفرض معادلة “المرتبات مقابل النفط”.
-
إسقاط شرعية التفتيش الخارجي في جيبوتي واعتباره قرصنة تمنح صنعاء حق الرد المماثل في الممرات الملاحية.
-
تجريد تحالف العدوان من توظيف الورقة الإنسانية وقوت المواطنين كأداة للابتزاز السياسي والتفاوضي.
عرّى السيد القائد في خطابه طبيعة الوجود السعودي في المحافظات المحتلة، مؤكداً أنه يمثل حالة احتلال صريحة تسلب القرار السياسي والاقتصادي. وقد تحولت تلك المناطق إلى بؤر صراع وقواعد عسكرية مغلقة تدار بإشراف مباشر من السفير السعودي والحاكم العسكري.
وأوضح قائد الثورة أن الوصاية بلغت حداً تمنح فيه الرياض نفسها حق تعيين وإقالة المسؤولين المحليين، مجردة أدواتها من المرتزقة من أي سلطة أو شرعية؛ إذ لا يملك هؤلاء سوى الامتثال التام لأوامر الضباط السعوديين على حساب معاناة المواطنين في تلك المحافظات.
واختتم السيد القائد هذا المحور بالتأكيد على أن الشعب اليمني الذي فجّر ثورة الـ21 من سبتمبر لم ولن يقبل بهذه الغطرسة؛ فمعركة إسقاط التبعية استحقاق وجودي لا تراجع عنه، واقتلاع أدوات الاحتلال والوصاية هو المسار الوحيد لاستعادة السيادة الكاملة على كامل التراب والموارد الوطنية.
تضع تحذيرات قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي النظام السعودي في مواجهة استحقاقات لا تحتمل المناورة؛ فاستمرار خنق الشعب اليمني في لقمة عيشه ونهب موارده النفطية والغازية لم يعد ورقة تفاوضية رابحة، بل تحول إلى صاعق تفجير حتمي يهدد أمن المنطقة وبنيتها الاقتصادية بالكامل.
إن الرسالة التي وجهتها صنعاء بذكرى الثورة واضحة المعالم: زمن الانتظار والموت البطيء انتهى، والرياض اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الرفع الفوري للحصار وصرف مرتبات الموظفين من الثروات الوطنية، وإما تحمل ضربات استراتيجية نوعية ستطال منشآت النفط وشرايين الاقتصاد السعودي بصورة مباشرة وحاسمة.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.