«محرقة الفصول وتطويق الحجر».. تصعيد سعودي هستيري يضرب مدارس وقرى حيفان بتعز وقراءات في بنك أهداف الإبادة الممنهجة
صنعاء سيتي | تقرير
لم تكن الغارات التي صبّت حممها طائرات العدوان السعودي على مديرية حيفان بمحافظة تعز، مستهدفة مدرسة «الثورة أكبوش» وقرى مأهولة بالسكان، مجرد عدوان عابر أو حدث ميداني معزول، بل جاءت تجسيداً عملياً لطبيعة العقيدة العسكرية لنظام الرياض القائمة على التدمير الشامل واستهداف الأعيان المدنية كلما عجزت مشاريعه عن كسر إرادة الشعب اليمني. استهداف المنشآت التعليمية ومنازل المواطنين في ثلاث عُزل مدنية متزامنة، فتح الباب واسعاً أمام قراءة استراتيجية وحقوقية موسعة تفضح السجل الإجرامي لتحالف العدوان وتؤكد أن قصف المدارس لم يكن خطأً تقنياً، بل سياسة إرهاب دولة مدروسة وممنهجة.
في تفاصيل التصعيد الإجرامي الجديد، استهدفت طائرات العدو السعودي بغارات مباشرة مدرسة «الثورة أكبوش» في عزلة الأحكوم، إلى جانب قصف منطقة مخادرة بقرية العكاوش، وشن ثلاث غارات متتالية على عزلة الأعبوس التابعة لمديرية حيفان. هذا التوزيع الناري على ثلاث كتل سكنية مأهولة في وقت متزامن يثبت النية المبيتة لإيقاع أكبر قدر من الرعب في نفوس المدنيين، وفرض حالة من الشلل على العملية التعليمية والحياة اليومية للمواطنين الآمنين في منازلهم وقراهم الجبلية.
ويأتي هذا الاستهداف المباشر لمدرسة «الثورة» ليضع المجتمع الدولي أمام حقيقة «بنك الأهداف» السعودي، الذي ظل طوال سنوات العدوان يضع المنشآت التعليمية والخدمية في صلب عملياته العسكرية، في مسعى يائس لحرمان الأجيال اليمنية من حقها في البقاء والمعرفة، ومحاولة تجريف البنية التحتية التعليمية التي شكّلت على الدوام ركيزة من ركائز صمود المجتمع في مواجهة التجهيل والتركيع.
أمام هذه المجزرة المتجددة، سارعت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إلى إدانة الجريمة بأشد وأقسى العبارات، مؤكدة أن ما أقدم عليه طيران العدو السعودي يمثل «جريمة حرب مكتملة الأركان». وشددت الهيئة على أن قصف مدرسة الثورة يُعد انتهاكاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها، وتحديداً المادة (52) التي تكفل حماية خاصة وشاملة للأعيان المدنية وتجرّم تحويلها إلى أهداف عسكرية، إلى جانب المادتين (48) و(51) الملزمتين بمبدأ التمييز وحماية المدنيين من الهجمات العشوائية والمباشرة.
كما نبّهت الهيئة في بيانها إلى أن استهداف الصروح التعليمية يمثّل خرقاً سافراً لاتفاقية حقوق الطفل التي تجرّم حرمان الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم والأمان والحياة، مشيرة إلى أن استهداف عُزل “الأحكوم، العكاوش، والأعبوس” معاً يبرهن على مضي النظام السعودي في استراتيجية العقاب الجماعي. وحمّلت الهيئة الرياض المسؤولية الجنائية والأخلاقية والقانونية الكاملة عن هذه الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، مطالبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان بالخروج من مربع الصمت والتواطؤ المخزي وإدانة هذا التصعيد غير المبرر.
إن قصف مدرسة الثورة في حيفان يستدعي إلى الذاكرة سجلاً دامياً امتد على مدار سنوات العدوان؛ فلم تكن هذه المنشأة الأولى التي تُسوّى بالأرض. إذ تشير البيانات الحقوقية والإحصائية الموثقة إلى أن طيران التحالف أخرج آلاف المدارس والمرافق التعليمية عن الخدمة كلياً أو جزئياً منذ مارس 2015 في مختلف المحافظات، من بينها مجازر موثقة حفرت عميقاً في الوجدان الإنساني؛ كمجزرة حافلة أطفال ضحيان في صعدة، واستهداف مدرسة الراعي بسعوان في العاصمة صنعاء، وقصف مدرسة الفلاح بنهم، إلى جانب مجازر سوق الهنود وسنبان والصالة الكبرى.
وتكشف هذه الوقائع التاريخية المتطابقة أن تحالف العدوان يتبع تكتيك «الأرض المحروقة» واستهداف المرافق الأكثر هشاشة وأهمية لحياة المدنيين؛ ظناً منه أن استهداف الأطفال وإرهاب عائلاتهم في أرياف تعز يمكن أن يخلق شرخاً شعبياً أو يضغط على الموقف المبدئي الرافض للوصاية والاحتلال. لكن الشواهد الميدانية طيلة العقد الماضي أثبتت أن استهداف المنشآت المدنية لم يزد المجتمع اليمني إلا تشبثاً بحقه في الدفاع عن النفس ومقاومة الصلف الخارجي.
تؤكد القراءة العسكرية والسياسية لهذا الهجوم أن لجوء طيران العدوان السعودي إلى قصف الأعيان المدنية في مديرية حيفان يعكس حالة إفلاس استراتيجي وارتباك ميداني مكشوف؛ فعندما تفشل قوى العدوان وأدواتها من المرتزقة في إحراز أي تقدم أو فرض وقائع عسكرية على الأرض، تلجأ إلى سلاح الجو لاستهداف القرى والمدارس كأهداف سهلة للتعويض عن الهزائم والانكسارات، في سلوك انتقامي يعبّر عن فشل البنية الاستخبارية والعسكرية لتحالف العدوان.
إن دماء أطفال اليمن وأنين الأمهات في الأعبوس والأحكوم وكل قرى تعز، تضع تحالف العدوان أمام استحقاقات لا مفر منها؛ فاستمرار ارتكاب جرائم الحرب تحت مظلة التواطؤ الدولي لن يمر دون حساب، بل يرسخ مشروعية الرد الرادع بكافة الوسائل التي يمتلكها الشعب اليمني وقواته المسلحة لكسر الحصار وحماية الأعيان المدنية وصون الكرامة والسيادة الوطنية حتى دحر الاحتلال ومحاكمة مجرمي الحرب.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.