عقيدة الإنهاك: الوجه القبيح للعدو السعودي بالمحافظات المحتلة.. كيف تُدير غرف الرياض جريمة “الموت البطيء” بسلاح الخدمات؟

 صنعاء سيتي | تقرير 

 

تُجسد الوقائع الميدانية والانهيارات المعيشية المتلاحقة في المحافظات المحتلة التطبيق العملي لـ”عقيدة الإنهاك والتبعية” التي تحكم استراتيجية النظام السعودي التاريخية تجاه اليمن، والقائمة على قاعدة استعمارية ثابتة: إبقاء هذا البلد فقيراً، ممزقاً، وغارقاً في البحث عن رغيف الخبز وشربة الماء. لم يكن تعطيل المنشآت الحيوية وشل مقومات الحياة في عدن ولحج وحضرموت وبقية المناطق المحتلة نتاج عجز إداري لدى أدوات الارتزاق، بل هو قرار سياسي واستخباراتي يُديره العدو السعودي عبر ذراعه الاستعماري المتمثل في “اللجنة الخاصة” والسفير محمد آل جابر وغرف العمليات المشتركة؛ إذ تدرك الرياض أن الاستقرار المعيشي والخدماتي سيقود حتماً إلى استقرار أمني ووعي وطني جامع يرفض الوجود الأجنبي ويطرد القواعد العسكرية التابعة لتحالف الغزو.

تسقط هذه الحقائق الزيف الدعائي الذي روجت له دول العدوان تحت عناوين “إعادة الأمل”، وتفضح في الوقت ذاته فزاعة “الحصار الحوثي” التي تحاول وسائل إعلام الرياض تسويقها؛ فالمحافظات المحتلة تسيطر على موانئ مفتوحة بحماية بوارج التحالف، ومطارات دولية، وكل حقول إنتاج وتصدير النفط والغاز، فضلاً عن الغطاء المصرفي الدولي. إن المقارنة بين هذا الواقع الكارثي في مناطق الاحتلال، وبين صمود واستقرار المحافظات الحرة الواقعة تحت الحصار الجوي والبحري والبري الشامل، يبرهن بما لا يدع مجالاً للشك صوابية الرؤية الاستشرافية التي أطلقها قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي منذ اليوم الأول، مؤكداً أن “تحالف العدوان لا يريد لأبناء تلك المحافظات إلا الإذلال والتطويع ونهب الثروات”، وأن التحرر من الوصاية هو المدخل الوحيد للكرامة والحياة.

سلاح الإفقار والمضاربة المصرفية المنظمة

تُدار حرب العملة في المحافظات المحتلة كعملية قرصنة مالية ممنهجة يشرف عليها العدو السعودي عبر أدواته من قوى الارتزاق؛ حيث أدى قرار إغراق السوق بما يتجاوز 5.3 تريليون ريال من العملة المطبوعة خارج التغطية النقدية إلى انهيار تاريخي تجاوز فيه سعر صرف الدولار حاجز 2050 ريالاً. تحول ما يسمى “البنك المركزي في عدن” إلى غرفة عمليات للمضاربة بالعملة عبر المزادات الأسبوعية التي تطرح ما بين 30 إلى 50 مليون دولار بأسعار السوق السوداء نفسها، ليقود البنك المسلوب القرار تسعير الانهيار وتجفيف السيولة الأجنبية لصالح هوامير الارتزاق بدلاً من حماية القوة الشرائية للمواطنين.

أثبتت تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن المعني باليمن (لجنة العقوبات) قيام البنك المركزي في عدن بغسيل وتمرير أموال الوديعة السعودية عبر مخططات احتيالية مكنت شركات صرافة وتجاراً نافذين تابعين للرياض من الاستحواذ على فوارق صرف بمئات الملايين من الدولارات، دون أن ينعكس ذلك على خفض أسعار المواد الغذائية. هذا الإفقار المتعمد دفع بالأسعار إلى مستويات قياسية؛ إذ ارتفع سعر كيس الدقيق عبوة 50 كجم إلى 58 ألف ريال، وصفيحة زيت الطهي إلى 46 ألف ريال، في حين لا تتجاوز هذه السلع في المحافظات الحرة نصف هذه القيمة التدميرية، بفضل الإدارة النقدية الصارمة للبنك المركزي في صنعاء الذي حمى العملة الوطنية وحافظ على سعر صرف ثابت ومستقر.

يستكمل العدو السعودي جريمته عبر أدواته بقطع مرتبات المعلمين وموظفي القطاعين المدني والعسكري لمدد بلغت 8 أشهر متتالية، بينما تُشير بيانات الملاحة الدولية (مثل MarineTraffic) إلى نهب منظم لملايين البراميل من النفط الخام عبر الناقلات العملاقة كـ”كليوباترا” و”إبيسيك” و”أبوليتاريوس” من موانئ الضبة والنشيمة، وتوريد عائداتها مباشرة للبنك الأهلي السعودي. إن قيمة الشحنة الواحدة البالغة مليوني برميل (بنحو 160 مليون دولار) كافية لتغطية رواتب موظفي الجمهورية اليمنية لأشهر، وهو ما يكشف خبث النظام السعودي الذي يسرق العائدات ويحرم الموظف من أبسط حقوقه، ويؤكد ضرورة المعادلة العسكرية الصارمة التي فرضتها القوات المسلحة بصنعاء لحماية الثروات السيادية ومنع نهبها إلا بشروط صرف المرتبات لكافة أبناء الشعب اليمني.

  • تراجع الصرف: هبوط الريال إلى 2050 للدولار بفعل طباعة تريليونات دون غطاء، بينما يحافظ على استقراره بصنعاء عند نحو 530 ريالاً.
  • نهب الودائع: توثيق تقارير مجلس الأمن تهريب وغسيل مئات الملايين من الدولارات عبر شركات صرافة تابعة لأدوات الرياض.
  • فارق الأسعار: كيس الدقيق يسجل 58 ألف ريال في عدن المحتلة مقابل استقرار سعري كامل في صنعاء والمحافظات الحرة.
خنق الغاز وإتاوات الموانئ

تُمثل أزمة الغاز المنزلي في محافظة لحج نموذجاً فاقعاً للابتزاز والاستنزاف الذي يمارسه العدو السعودي عبر أدواته الميدانية؛ إذ وثقت شكاوى المواطنين وبلاغاتهم ارتفاع سعر أسطوانة الغاز المنزلي في محطات “كود العبادل” والحوطة إلى 21 ألف ريال تحت غطاء “الغاز التجاري”. تتجلى الجريمة في حرمان أبناء لحج وعدن من الغاز المحلي المنتج في منشأة صافر بمأرب—والذي يخرج رسمياً بسعر 3500 ريال مضافاً إليه رسوم النقل المشروعة ليصل إلى قرابة 8000 ريال—وإجبارهم على شراء شحنات الغاز المستورد بالعملة الصعبة عبر ميناء الزيت بالبريقة، لتعظيم أرباح شبكات التهريب التابعة لقوى الارتزاق.

تتكامل حلقات هذه السرقة العلنية عبر نقاط التقطع والجباية العسكرية التي أنشأتها أدوات الرياض على طول الخطوط الرابطة بين مأرب، شبوة، ولحج؛ وأبرزها نقطة “العلم” عند مدخل عدن، ونقاط “طور الباحة” و”نقيل الخلاء” بيافع، ونقاط “رأس العارة”. تفرض هذه النقاط إتاوات إجبارية تصل إلى 5 ملايين ريال على المقطورة الواحدة تحت مسميات “صندوق تحسين” و”دعم جبهات”، ويتم تحصيلها بسندات غير قانونية تُجبر التجار على مضاعفة أسعار الغاز على المواطنين، أو تفريغ حمولات الغاز الحكومي وضخه في السوق السوداء مباشرة.

تفرض شركة النفط في عدن، بتوجيه من دوائر الاحتلال غير المباشر، أسعاراً تعسفية لصفائح البنزين سعة 20 لتراً تتجاوز رسمياً 29 ألف ريال وتصل في الاختناقات المفتعلة إلى 38 ألف ريال، ما أدى إلى ارتفاع كلفة النقل الداخلي بنسبة 250%، وتسبب في إغلاق مئات الورش والمصالح الحرفية والمخابز، وتكبيد المزارعين خسائر فادحة جراء انعدام الديزل؛ كل ذلك يجري والمحافظات المحتلة تعوم فوق بحار من النفط والغاز، وتملك مصفاة عدن التاريخية المعطلة قسراً بأوامر سعودية صريحة لمنع تشغيلها وإبقاء السوق خاضعة للمشتقات المستوردة لخدمة نافذي الفنادق.

جريمة الظلام وفضيحة الوقود

تتحول المحافظات المحتلة خلال أشهر الصيف إلى سجون مفتوحة بعد تراجع ساعات التغذية الكهربائية إلى ساعتين ونصف يومياً مقابل 21 ساعة ونصف من الانقطاع التام تحت درجات حرارة تتجاوز 43 مئوية، في ظل هبوط القدرة التوليدية لكافة محطات التوليد بعدن (المنصورة، الحسوة، وخور مكسر) من 450 ميجاوات إلى أقل من 80 ميجاوات. هذا الإظلام المتعمد ليس أزمة فنية، بل أداة تعذيب جسدي ونفسي توظفها غرف العمليات السعودية لإبقاء المواطنين في إنهاك مستمر يصرفهم عن التفكير في التحرر واستعادة حقوقهم.

كشفت المحاضر الفنية الرسمية لإدارة محطة الرئيس “بترومسيلة” ومختبرات مصفاة عدن الفضيحة الكبرى لما يسمى منحة المشتقات النفطية السعودية التابعة لـ”البرنامج السعودي للإعمار”؛ إذ أكدت الفحوصات المختبرية تزويد المحطات بوقود رديء ملوث بنسب كبريت عالية وشوائب نفطية ورواسب مدمرة، ما أسفر عن انسداد فلاتر الحقن وتلف غلايات المحطة وإخراج توربيناتها الاستراتيجية عن الخدمة. تُنفق الملايين في صفقات مشبوهة لشركات “الطاقة المشتراة” المملوكة لنافذي الارتزاق التي تلتهم ما يقارب 30 مليون دولار شهرياً كإيجارات مولدات، بدلاً من شراء وقود سليم وتأهيل المحطات الحكومية.

  • الانقطاع الميداني: تشغيل لمدة ساعتين ونصف يقابله 21 ساعة ونصف من الظلام الدامس في ذروة الصيف.
  • فساد الوقود السعودي: تقارير مختبرات مصافي عدن تثبت تدمير توربينات بترومسيلة بشحنات وقود ديزل ومازوت مغشوش.
  • وفيات المشافي: مستشفيات ابن خلدون بلحج، والجمهورية والصداقة بعدن تسجل عشرات الوفيات أسبوعياً لكبار السن وتوقفاً متكرراً لحاضنات الأطفال ومراكز الغسيل الكلوي.
حرب العطش والكوارث الصحية

يشن العدو السعودي عبر أدواته التنفيذية حرب تعطيش ممنهجة ضد الأحياء السكنية في الحوطة وتبن بلحج، والمعلا والتواهي والشيخ عثمان بعدن، تمثلت في جفاف شبكات المياه العامة لأكثر من 20 يوماً متواصلة. ترجع المؤسسة المحلية للمياه هذا الجفاف إلى انعدام وقود الديزل المخصص لتشغيل مضخات حقول الآبار الرئيسية في “بئر ناصر” و”بئر أحمد” و”قرو”، في حين تتدفق خطوط الإمداد على مدار الساعة لتغذية المعسكرات التابعة للفصائل الموالية للرياض والمنتجعات الخاصة بقادتها.

فرضت أزمة انقطاع المياه سوقاً سوداء للصهاريج الخاصة (البوز) غير المعقمة، حيث وصل سعر الصهريج سعة 3 آلاف لتر إلى أكثر من 35 ألف ريال، وهي كلفة تلتهم الراتب الشهري بالكامل. دفع هذا الواقع المئات من الأسر العاجزة عن الشراء إلى الاعتماد على مياه الآبار السطحية المالحة والتجمع حول المستنقعات لجلب مياه غير صالحة للشرب، ما أدى إلى تفجر وبائي متسارع سجلته المرافق الصحية المنهارة.

أكدت بيانات الترصد الوبائي في مكاتب الصحة بعدن ولحج تسجيل أكثر من 4500 حالة إصابة واشتباه بالكوليرا والإسهالات المائية الحادة وحمى الضنك والملاريا خلال فترات وجيزة، جراء طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع وتراكم أكثر من 1200 طن من النفايات الصلبة يومياً بعد إضراب عمال النظافة لنهب أدوات العدوان مستحقاتهم المالية؛ ما يثبت إصرار تحالف العدوان على تحويل هذه المدن الحيوية إلى مستنقعات طاردة للأوبئة والأمراض الفتاكة لإشغال المجتمع في دوامة المعاناة البدائية.

حتمية الخلاص والكفاح المسلح

تُثبت الوقائع الموثقة والشواهد الميدانية أن ما يجري في المحافظات المحتلة ليس سوء إدارة، بل جريمة حرب مكتملة الأركان يمارسها العدو السعودي عبر أدواته وبيادقه المنفذة على الأرض، للنيل من شعب يرفض الخضوع والانكسار. إن إسقاط مقومات الحياة، من سرقة الغاز والمشتقات، ونسف القيمة الشرائية للعملة، ونشر الظلام والأوبئة، يعري تماماً حقيقة الاحتلال الذي ينهب مقدرات الوطن ويستثمر في عذابات أهله، لتسقط كل الرهانات الواهمة على وعود الرياض وودائعها المشبوهة.

إن الشارع الثائر في لحج وعدن وحضرموت بات أمام حقيقة لا تقبل المواربة: إن قطع الطرقات وإشعال الإطارات لم يعد كافياً لكسر طوق الإبادة الخدمية والتجويع المتعمد. إن الحل الجذري والوحيد لإنهاء هذا الجحيم واستعادة الثروات السيادية هو تصعيد الفعل الثوري الشامل، والالتحام بخيار الكفاح التحرري لاقتلاع أدوات الارتزاق وطرد قوات الاحتلال السعودي من كامل الأراضي اليمنية؛ وصنعاء الحرة، التي وقفت صامدة وحمت السيادة والثروات وفرضت معادلات الردع العسكرية، ستبقى السند والظهير الحقيقي لكل أحرار الوطن حتى تطهير كل شبر من أرض اليمن واستعادة حقوقه كاملة.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.