لم يكن خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- بمناسبة المولد النبوي الشريف 1448هـ، مجرد تهنئة عابرة بهذه الذكرى العطرة، ولا كلمات احتفالية تنتهي بانقضاء المناسبة، وإنما جاء خطابًا جامعًا شمل تعظيم الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- واستحضار مسؤولية الأمة وقراءة واقعها، محددًا موقفه الحاسم من التحديات الجسام، وفي مقدمتها العدوان الصهيوني على فلسطين والمخططات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

وحين يبارك السيد القائد للشعب اليمني وللأمة الإسلامية هذه الذكرى المباركة، مشيدًا بتصدر الشعب اليمني للشعوب الإسلامية في إحيائها؛ فإنه لا ينظر إلى مظاهر الاحتفال كغاية بحد ذاتها، بل يربطها بالانتماء والهوية الإيمانية، وبالارتقاء في الوعي والمسؤولية والسلوك في طريق الحق.

ومن هُنا تجلّت أهمية المولد النبوي في الوعي اليمني باعتباره محطة سنوية لاستعادة العلاقة الواعية بالرسول ورسالته، واستحضار عظمة النعمة الإلهية التي أنعم الله بها على البشرية، إذ بعث محمدًا بالهدى ودين الحق.

لقد وضع سيد القول والفعل هذه المناسبة في إطارها الأوسع، داعيًا الأمة إلى إعادة تقييم واقعها وترسيخ صلتها بالرسالة السماوية؛ فالمشكلة ليست في قلة العدد ولا في نقص الإمكانات، وإنّما في مستوى الالتزام بالمسؤوليات وما أصاب الأمة من تبعية وصفة وضعف وتجزئة؛ فتعظيم الرسول وفق هذا المنظور لا ينفصل عن اتباعه، والمحبة الصادقة تجسيدٌ لموقف وسلوك والتزام بالحق، إذ أكد السيد القائد أن التمسك بالرسالة لا يتحقق إلا بالصمود في وجه الأعداء والتحرر من هيمنتهم وتبعتهم.

وفي قلب الخطاب حضرت قضية فلسطين باعتبارها الاختبار الأوضح لمسؤولية الأمة؛ فالمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس وسائر فلسطين؛ هي نتيجة مباشرة لغياب الموقف الإسلامي الموحد، ومن هُنا يأتي التأكيد على ثبات موقف اليمن في نصرة الشعب الفلسطيني ومجاهديه، باعتبارها قضية الأمة جمعاء، وأن اليمن لن يألوا جهدًا في مساندتها حتى يتحقق الوعد الإلهي المحتوم بسقوط وزوال كيان العدو الصهيوني.

كما ربط الخطاب بين ما يجري في فلسطين وما تعرضت له إيران ولبنان وسوريا واليمن، معتبرًا إياها ملفات مترابطة ضمن صراع أوسع تفرضه المشاريع الأمريكية والإسرائيلية كـ “تغيير الشرق الأوسط” و”إسرائيل الكبرى”.

وعلى الصعيد المحلي، أكّد الخطاب أن الشعب اليمني لن يتخلى عن حقوقه المشروعة ولن يقبل باستمرار الحصار والاحتلال والتدخل الخارجي، رابطًا بين معركة الاستقلال والهوية الإيمانية والمسيرة القرآنية، ومشدّدًا على أن التهدئة لن تكون وسيلة لمصادرة حقوق اليمن، مع حق الشعب المشروع في الدفاع عن نفسه وانتزاع حقوقه، داعيًا إلى الاستعانة بالله وتكثيف الجهود؛ إذ لا ينبغي للتحديات والتضحيات أن تثني الشعب عن خياراته الأساسية أو تسقط مطالبه المحقة.

ولعل أبرز ما جمع بينه الخطاب هو الترابط بين مفهومي “المولد” و”التحرر”؛ فمولد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو ولادة الرسالة التي أخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن الذل والتبعية إلى العزة والحرية والعدل.

وفي ختام الخطاب، أُكِّد على ثبات الشعب اليمني في توجهه الإيماني ونهضته التحررية والجهادية ومسيرته القرآنية لتحقيق الاستقلال التام دون مساومة، وهكذا حمل الخطاب رسالة بالغة الوضوح: إن محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- هو رسول يُقتدى به، ورسالة يُلتزم بها، وولاء يُجدد، وقيم يُهتدى بها، ومسؤولية تُحمل، وجادٌّ في مواجهة الأعداء؛ فالمولد النبوي الشريف استنهاض للحاضر وصناعة للمستقبل بفضل الله تعالى.