​حين تتبخر الخيارات العسكرية وتسقط تباعاً الرهانات الميدانية على وقع ثبات الرجال في ساحات المواجهة، غالباً ما تلجأ قوى العدوان والوصاية إلى أشد أساليب الخسة والجبن عبر تصعيد الحرب الاقتصادية الممنهجة، وتجويع الشعوب، واستهداف المنشآت المدنية والمصالح الحيوية.

إن هذا السلوك الوحشي لا يعبّر بأي حال من الأحوال عن ميزان قوة أو تفوق استراتيجي، بقدر ما يترجم بدقة حالة العجز الميداني والإفلاس الأخلاقي الشامل.

فاللجوء إلى خنق الشرايين الاقتصادية وقطع أسباب العيش ليس سوى اعتراف صريح وواضح بالهزيمة أمام إرادة الصمود في ميادين الشرف، ومحاولة بائسة لتعويض الفشل العسكري عبر العقاب الجماعي الموجه ضد الأطفال والنساء والمدنيين العزل.

​لقد غفل طغاة العصر عن حقيقة تاريخية وجغرافية راسخة، وهي أن سياسة التركيع بالتجويع أثبتت عقُمها المطلق أمام صلابة الوعي اليمني الممتد عبر جذور التاريخ.

إن أي شريان حياة يُغلق في وجه أمة أخذت على عاتقها طريق الحرية، يتحوّل حتماً وبشكل تلقائي إلى شريان غضب عارم ينفجر في وجه المحاصرين والمعتدين.

ويقف الشعب اليمني اليوم مستنداً إلى أرث حضاري عريق في إحباط الغزاة ودحر المستعمرين على مختلف العصور، مدركاً تماماً أن التضحيات الجسام التي يقدمها اليوم هي الثمن الطبيعي لنيل الاستقلال الناجز والسيادة الكاملة.

إن الصمود الأسطوري في مواجهة أعتى الترسانات العسكرية والحصار المطبق ليس خياراً عابراً أو ترفاً سياسياً، هو مسار وجودي وحتمي لا تراجع عنه حتى انتزاع كافة الحقوق المسلوبة وكسر قيود الهيمنة الأجنبية بشكل نهائي.

​تؤكد السُنن التاريخية والكونية الصارمة أن الصلفة والتعنت اللذين يمنعان المعتدي من الإقرار بحقوق الشعوب المشروعة، ستتحولان بالضرورة إلى وبالٍ وعصف يهدد أمنه القومي واستقراره الاقتصادي المزعوم.

فمعادلة الصراع اليوم تشهد تحولات عميقة تفيد بأن كلفة الاستمرار في هذا العدوان الغاشم والحصار الظالم ستكون باهظة وأضعاف مضاعفة لكلفة التراجع عنه وتقبل الواقع الجديد.

إن الدول التي تراهن على تجويع الشعوب وكسر إرادتها تجهل تماماً طبيعة المجتمعات الحية التي تزداد شراسة وصلابة كلما اشتدت المحن، وكلما توالت الضربات الاقتصادية التي ترتد ألسنتها حارقَة على من خطط لها ودعمها من وراء الستار.

​ستبقى مطالب الشعب اليمني العادلة والمحقة هي الميزان الدقيق والحكم الفصل في كل جولات الصراع القادمة، ولن تنفع قوى العدوان مناوراتها السياسية أو التخفي خلف المخططات والمؤامرات الأجنبية التي باتت مكشوفة للجميع.

لقد كُتبت الفصول الأولى لهذه الملحمة التاريخية الفريدة بمداد الصبر والثبات الأسطوري في وجه المستحيل، وستُكتب نهايتها الحتمية والمنتظرة بانتصار الحق والكرامة الوطنية، والقصاص العادل من كل من تجرأ واستهان بأرواح هذا الشعب العظيم ومقدراته الحيوية.

إن الأيام والسنوات القادمة تحمل في طياتها الكثير من المفاجآت الاستراتيجية التي ستعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، ويبقى الرهان الأصدق والأثبت هو رهان الشعوب الحرة التي لا تُكسر إرادتها ولا تنحني هامتها مهما اشتدت العواصف، والعاقبة دائماً وأبداً للمتقين والصابرين.