جريمة خنق المنافذ: كيف أدارت السعودية حصار الموانئ والمطارات لإسقاط المنظومة الصحية اليمنية؟

صنعاء سيتي | تقرير 

 

يشهد القطاع الصحي في اليمن انهياراً هيكلياً ومرحلة هي الأشد خطورة جراء الحظر الشامل والقيود المشددة التي يفرضها العدوان الأمريكي السعودي منذ أكثر من أحد عشر عاماً. إن المنهجية المتبعة في خنق المنافذ الحيوية وتجريف الإمدادات الطبية تتجاوز مجرد التضييق العسكري لتشكل استراتيجية قتل بطيء واستنزاف مقومات الصمود الإنساني في كافة المحافظات الحرّة.

إن الإصرار على تعطل شريان الحياة الطبي وتحويل الحاجة العلاجية إلى أداة ابتزاز سياسي وعسكري يعكس قراراً مبيتاً بتقويض البنية التحتية الخدمية للدولة اليمنية. هذا الواقع الكارثي يضع المنظومة الصحية أمام عجز كامل، ويفرض على ملايين المواطنين والأطفال مواجهة مفتوحة مع الموت جراء غياب بروتوكولات الرعاية الأولية والطارئة.

البيروقراطية العدوانية وتعطيل الشرايين البحرية

تدار معركة خنق الإغاثة الطبية عبر إجراءات تعسفية ممنهجة في موانئ الترانزيت، حيث تُجبر السفن المحملة بالشحنات والمستلزمات العلاجية على الخضوع لاحتجاز مطول في جيبوتي بأوامر أمريكية سعودية مباشرة. هذا التعطيل الذي يمتد لأشهر يتسبب في إتلاف كميات هائلة من الأدوية الحساسة لبرودة الجو ويرفع تكاليف الشحن والتأمين المالي بشكل ينهك المؤسسات الصحية المتهالكة.

وتؤكد الشواهد الميدانية أن استمرار احتجاز محاليل الغسيل الكلوي والمستلزمات الخاصة بالأمراض المزمنة يضع أقسام العناية المركزة والمستشفيات أمام خطر التوقف المباشر. إن تحويل آليات التفتيش والمحطات الإدارية إلى أدوات حرب ناعمة يهدف بالدرجة الأولى إلى قطع شريان الحياة عن المرضى وإبقاء المؤسسات الطبية تحت تهديد الانهيار الكلي.

وفي هذا السياق، تأتي الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة على لسان الوزير الدكتور علي شيبان لتكشف الحجم الحقيقي لهذه الكارثة الإنسانية. إن الاستهداف المباشر وغير المباشر لم يعد مجرد خروقات فردية، بل خطة مدروسة لتحويل المستشفيات إلى مبانٍ عاجزة عن تقديم أدنى مستويات الخدمة.

  • المنشآت المعطلة: خروج أكثر من 2,000 مركز ووحدة صحية عن الخدمة كلياً أو جزئياً.
  • الفشل الكلوي: وفاة 5,000 مريض سابقاً بسبب نقص المحاليل ومستلزمات الغسيل.
  • مرضى الأورام: 120,000 مريض يتلقون علاجاً ناقصاً مع انعدام 10 أصناف أدوية رئيسية.
  • الخسائر المادية: تجاوز خسائر القطاع الصحي المباشرة وغير المباشرة 7 مليارات دولار.
الحظر الجوي واحتجاز المرضى

يمثل الحظر الجوي المفرض على مطار صنعاء الدولي أحد أشد وجوه العدوان قسوة، حيث يحرم آلاف الحالات الحرجة من حق السفر لتلقي العلاج في المراكز التخصصية بالخارج. إن التحكم التعسفي بوجهات الطيران وتقليص الرحلات العلاجية يحول المطار إلى معبر مغلق ويضع خطوط الانتظار في مواجهة مباشرة مع الموت المؤجل.

إن منع ورود الأجهزة التشخيصية الحديثة وقطع الغيار الطبية يضاعف من معاناة مرضى الأورام والحالات المستعصية داخل البلاد، في ظل انعدام التقنيات الكفيلة بإجراء التدخلات الجراحية المعقدة. هذا الحصار الجوي يتجاوز الذرائع الأسبقية ليغدو عقاباً جماعياً يطال النساء والأطفال والمدنيين بشكل مباشر.

تتفاقم المأساة اليومية مع استمرار المماطلة في تسيير رحلات علاجية منتظمة وفتح وجهات جديدة، ما يحول القوائم الطبية إلى سجلات وفيات متزايدة. إن استمرار هذا التضييق الجوي يُسقط كافة الادعاءات الإنسانية للأعداء ويجعل من كسر الحظر مسألة وجودية لا تقبل التكاسل.

الردع البحري وكسر المعادلة

أمام انسداد الأفق الدبلوماسي وصدمة الواقع الصحي، جاء قرار القيادة الثورية والعسكرية في صنعاء بفرض معادلة “الحظر بالحظر” كتحول استراتيجي يربط أمن الملاحة الدولية بإنهاء الحصار الإنساني. إن استخدام القوة المسلحة لاستهداف المصالح البحرية للعدو السعودي والأمريكي يعيد صياغة قواعد الاشتباك ويجعل كلفة استمرار الحصار أعلى بكثير من تبعات إنهائه.

يقف الشارع اليمني والحاضنة الشعبية بوعي كامل خلف هذا القرار السيادي، باعتبار العمليات العسكرية البحرية والصاروخية الامتداد الطبيعي لحق الدفاع عن الحياة وانتزاع الحقوق المغتصبة. إن الربط العملياتي بين تدفق المحاليل والأدوية وبين استقرار الخطوط الملاحية كرّس واقعاً ميدانياً جديداً لا يمكن تجاوزه.

  • الحالات الحرجة: وجود 77,000 مريض بحاجة ماسة ومستعجلة للعلاج الخارجي.
  • ضحايا الحظر الجوي: تعذر سفر 12,251 مريضاً ما أدى لوفاة معظمهم على قوائم الانتظار.
  • الحرمان الشامل: حرمان أكثر من 20 مليون مواطن من خدمات الرعاية الأساسية.
تحول الألم إلى قوة

إن المراهنة على جعل القطاع الصحي ورقة للابتزاز السياسي واستنزاف أجساد اليمنيين هي حسابات استراتيجية خاطئة تحطمت أمام صمود الشعب وقوة الميدان. إن البيانات الصادمة التي أعلنها وزير الصحة الدكتور علي شيبان لا تمثل مجرد وثيقة إدانة تاريخية للعدوان الأمريكي السعودي، بل تشكل الوقود الأخلاقي والشرعي الذي يغذي خيارات الردع العسكري الحاسم.

لقد انتقلت صنعاء من مرحلة إحصاء الضحايا وتوثيق الخسائر إلى مرحلة فرض الكلفة المباشرة على صناع القرار في الرياض وواشنطن. إن الرسالة الميدانية اليوم باتت قطعية: لن ينعم العمق الاقتصادي والملاحي للأعداء بالأمن والاستقرار بينما يُحرم أبناء اليمن من حقهم في العلاج والحياة، وما لم تُفتح الموانئ والمطارات بلا شروط، فإن القوة المسلحة هي من ستقتطع هذا الحق وتفرض القواعد الجديدة بقوة السلاح.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.