تدخل الأزمة بين أمريكا وإيران مرحلة أكثر تعقيدًا، بعد أن اتجهت إدارة المهرج ترامب إلى الجمع بين التصعيد العسكري والضغوط السياسية والاقتصادية، محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك مع طهران وفرض شروط تفاوضية جديدة، في وقت تؤكد فيه الجمهورية الإسلامية أنها لن تخضع للإملاءات الأمريكية، وأن أي تفاوض يجب أن يقوم على احترام الاتفاقات والالتزامات السابقة، لا على سياسة فرض الأمر الواقع، وأن تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز يندرج ضمن صلاحياتها السيادية وفق الترتيبات القانونية والأمنية المعمول بها.

ويأتي هذا التصعيد في ظل توتر متزايد في منطقة الخليج، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وسط تحذيرات من أن أي مواجهة عسكرية في هذه المنطقة لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستنعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط وحركة التجارة الدولية.

التنصّل من الاتفاق والعودة إلى سياسة الضغط

يرى مراقبون أن إدارة ترامب تعيد إنتاج سياسة “الضغط الأقصى” التي يعتمدها، عبر الجمع بين التهديد العسكري والعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات في ملفات تتجاوز البرنامج النووي، لتشمل النفوذ الإقليمي والقدرات الصاروخية وأمن الممرات البحرية.

إلا أن هذا النهج يواجه عقبة أساسية تتمثل في فقدان الثقة بين طهران وواشنطن، إذ تعتبر طهران أن واشنطن كانت الطرف الذي تراجع عن التفاهمات السابقة، الأمر الذي يجعل أي دعوات أمريكية للعودة إلى طاولة المفاوضات محل شك ما لم تقترن بضمانات حقيقية واحترام للالتزامات القائمة.

مضيق هرمز.. ورقة الردع الأكثر حساسية

أصبح مضيق هرمز اليوم، إحدى أهم أوراق الردع في معادلة الصراع، فإيران تعتبر أن أمن الملاحة في المضيق يرتبط مباشرة بأمنها القومي، وأنها تمتلك الحق في تنظيم الحركة البحرية ضمن سيادتها ومسؤولياتها الأمنية، خصوصًا في ظل وجود قوات امريكية تعتبرها طهران مصدرًا للتوتر.

في المقابل، ترى أمريكا أن أمن الملاحة البحرية يجب أن يبقى تحت الهيمنة الأمريكية التي اعتادت عليه، وهو ما يجعل المضيق ساحة احتكاك دائمة بين مشروع الهيمنة الأمريكية ومشروع التحرر الإيراني.

وأي تصعيد في هذه المنطقة ينعكس فورًا على أسعار النفط وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية، وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية يصعب تجاهلها.

 

ترامب يبحث عن صورة انتصار

سياسيًا، تبدو إدارة ترامب بحاجة إلى إظهار الحزم أمام الداخل الأمريكي وحلفائها الإقليميين، وإثبات قدرتها على إجبار إيران على تغيير سلوكها.

غير أن تحقيق “صورة الانتصار” يختلف كثيرًا عن تحقيق انتصار فعلي على الأرض.

فالسنوات الماضية أظهرت أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية لم تؤد إلى تغيير جوهري في السياسات الإيرانية، بل دفعت طهران إلى تطوير قدراتها العسكرية، وتعزيز أدوات الردع، وتوسيع حضورها الإقليمي بصورة أكبر.

ومن ثم فإن أي تصعيد جديد قد جعل أي مواجهة مباشرة أكثر تعقيدًا وكلفة، خاصة إذا وأن إيران ترد بطريقة محسوبة تفرض معادلات جديدة في المنطقة.

 

كلفة التصعيد لم تعد مقبولة

إن أي تصعيد محتمل سيكون له تأثير على أمريكا وكذلك على إيران، بل ويمتد إلى العدو الإسرائيلي والدول الخليجية وأسواق الطاقة العالمية.

فإغلاق أو اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، حتى لفترة محدودة، قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وإرباك سلاسل الإمداد العالمية، وزيادة الضغوط الاقتصادية على العديد من الدول، وهو ما يجعل القوى الدولية تنظر بقلق بالغ إلى أي خطوات قد تدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة.

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تواجه واقعًا داخليًا لا يشجع على خوض حرب جديدة، في ظل الانقسام السياسي، والضغوط الاقتصادية، وتراجع التأييد الشعبي للتدخلات العسكرية الخارجية بعد تجارب العقدين الماضيين.

في الأخير، لم تعد معادلة الضغوط الأمريكية قادرة على فرض نتائج سياسية أو استراتيجية كما كان يُعتقد في السابق، فالتصعيد العسكري والاقتصادي قد يرفع مستوى التوتر، لكنه لن يدفع طهران إلى التخلي عن حقوقها وسيادتها، وترى القيادة الإيرانية أن أي محاولة لفرض الإملاءات بالقوة ستقابل برد يرفع كلفة المواجهة على أمريكا وإسرائيل وحلفائهما، وأن أمن الخليج ومضيق هرمز لا يمكن فصله عن أمن إيران ومصالحها الاستراتيجية، وبناءً على ذلك، فإن أي خطوة نحو التصعيد سيُقاس بما ستخلفه من تداعيات عسكرية واقتصادية قد تمتد آثارها إلى المنطقة والعالم، لتبقى الرسالة الإيرانية الأساسية أن الردع هو الضامن للاستقرار، وأن زمن فرض الإملاءات قد انتهى.