فقه السُّرور في زمن التوحُّش.. غزة ومعادلة الثبات الأخلاقي والاستراتيجي
صنعاء سيتي | مقالات | حسين بن محمد المهدي
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
البرُّ هو الصلةُ وإسداءُ المعروف والمبالغة في الإحسان، فكل أنواع الخير تنضوي تحت كلمة البر، فالبِرُّ خيرُ الدنيا والآخرة؛ ولهذا أمر اللهُ سبحانَه وتعالى عبادَه المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، وجاء في القرآن العظيم: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}.
فمن تخلَّقَ بأخلاق أهل البر في أعماله وأخلاقه وسياسته كان بارًّا، والأبرارُ -كما أخبر اللهُ عنهم- أنهم في دار النعيم: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}.
فالعاقل من يستبق إلى معالم الخير، ولا يضمرُ الشر لعباد الله المؤمنين؛ فإن من البر أن يحسن الإنسان ولا يؤذي.
وإذا كان اللهُ سُبحانَه وتعالى بارًّا بعباده، أي: محسنًا إليهم، ومُصْلِحًا لأعمالهم، وغامِرًا لهم بالحسنات، فإنه قد يعصمُ الإنسانَ الذي يعملُ البرَّ عن المخالفات، ويديمُ عليه فنونَ لطائف أنسه، ويوفِّقُه إلى طريق الخير اجتهاده، ويجعلُ التوفيقَ زادَه، ويحميه من الوقوعِ في الموبِقات بيُمن إقباله على ربِّه وبالتوبة الصادقة فيما يقعُ فيه من الذنوب.
الابتهاجُ كفعل مقاومة وصمود
وإذا كانت أنواعُ البر لا تحصى؛ فالعاقلُ لا ينسى المسارعة إليها، خَاصَّةً في هذه الأيّام المباركة التي تتزامَنُ مع اشتداد المحن والمواجهات المصيرية، لكي يرضى اللهُ عنه ويُرضيه.
وفي الحديث النبوي: «البرُّ لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت، فكما تدين تدان».
والعاقِلُ اليومَ هو مَن يسارعُ في هذه الأيّام إلى إدخَالِ الابتهاج والسرور إلى قلوبِ عبادِه المؤمنين؛ فهي من أفضل أعمال البر؛ ففي الحديث النبوي: «مَن قضى لأحد من أمتي حاجةً يُريدُ أن يَسُرَّه بها فقد سرني، ومن سرني فقد سر الله، ومن سر الله أدخله الجنة» رواه البيهقي في شُعَبِ الإيمان.
إنَّ هذا الفقهَ الإيمانيَّ يتجسَّدُ اليومَ في أبهى صوره السياسية والميدانية؛ فإنَّ إدخَالَ السرور في قلوبِ أبنائك وإخوانك وأهلك وأبناء مجتمعك، وإلى المجاهدين في فلسطين الذين هُدّمت ديارُهم وقُتل أبناؤهم، هو عملٌ يحبه الله، وهو مما يزرعُ في القلوب المودةَ والإخاءَ، فهي أحب الأعمال إلى الله.
فالدعمُ هنا ليس مُجَـرّد إغاثة إنسانية تقليدية، وإنما هو تثبيتٌ للحاضنة الشعبيّة للمقاومة، وكسر لسياسة التجويع والتركيع الصهيونية.
وفي الحديث النبوي أن رجلًا جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟ وأيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله عز وجل؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تُدخِلُه على مسلم، أَو تكشفُ عنه كُربةً، أَو تقضي عنه دينًا، أَو تطرُدُ عنه جوعًا» رواه الطبراني في المعجم الصغير.
وفي رواية أن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم سُئل: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «إدخَالُك السرورَ على مؤمن: أشبعت جوعتَه، أَو كسوت عورتَه، أَو قضيت له حاجةً» رواه الطبراني في المعجم الأوسط.
وإذا كانت الحياةُ تشرق وكأنها لحظة في عمر الإنسان، فليسارعْ إلى أعمال البر، وأن لا يحقر من أعمال المعروف شيئًا؛ فقد جاء في الحديث: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق» رواه مسلم.
وفي رواية للترمذي: «تبسُّمُك في وجه أخيك صدقة»؛ ما يعني اعتبارَ
الابتهاج والابتسامة في وجه المؤمن عملًا إيجابيًّا، فقد اعتبرته الشريعةُ نوعًا من الصدقات، وهو اليوم سلاحٌ معنوي يبرهنُ للاحتلالِ أن كبرياءَ المسلم لا ينكسر.
إن أجملَ هدية يقدِّمُها الإنسانُ لأخيه الإنسان في فلسطينَ هذه الأيّامَ هو إدخَالُ السرور والبهجة إلى نفسِه، وأن يواسيَه بماله ويعلنَ تضامُنَه معه نصرةً وتأييدًا؛ فقد ورد في الحديث أيضًا: «إن من موجبات المغفرة إدخَالَ السرور على أخيك المسلم».
الثبات في وجه عواصفِ التخاذل الصهيوني
ومن النِّعَمِ العظيمة أن يفرح الإنسان بفضل الله ورحمته وإحسانه وكرمه وإعزاز دينه ونصر المسلمين، وأن يظهر البِشر والرضا بذلك: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّـهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
المسلم يجعل الفرحَ بذلك في هذه الأيّام شُكرًا، والحزن صبرًا، والصمتُ تفكُّرًا، والنظر اعتبارًا، والنطق ذكرًا لله وإحياءً لطاعته، غيرَ مكترث بتخاذل بعض المسلمين وتثاقلهم عن نصرة إخوانهم في فلسطين.
ولا يهولنكم ما يفعله المفسدون في الأرض وفي أكناف بيت المقدس خَاصَّة، ولا يوهننكم ما ترتكبه القوة الغاشمة الصهيونية مع محور المقاومة وما يجري في فلسطين ويُحاك ضد الجمهورية الإسلامية في إيران؛ فهي محاولة يائسة لاستعباد الإرادَة الإنسانية والإسلامية.
فالصهيونية وإن استقوت بعهود التخاذل الرسمية، وانتقلت إلى مرحلةِ التوحش السافر في محاولة لإبعاد المسلم عن دينه وعن قِبلته الأولى فلسطين، فشعارُ المسلم اليوم ولسانُ حاله يفيضُ بعزة ويقول متأمُّلًا ومناجيًا:
الدهر يزعُمُ أنـه سـيـروعـنـي ** ويـثـيـر في دربِ الكفاح جراحي
ما ضرَّني طولُ الخُطُوبِ وإنني ** صـخـرٌ تـحـطّـم مـوجـةَ الأرواح
إنـي تـعـلّـمت الـثـبـاتَ فـلـم أزل ** أمـضـي بـعـزمٍ ثـابـتٍ نـفّـاحِ
لا تـثـنـنـي هـمـمـي إذَا مـا أقبلت ** سـود الـحـوادث عـائزات نِطاحِ
فالحق إن خذل الجبان لواءَه ** يـبـقـى عـزيـزًا ذكـرُه بـنـجـاحِ
والظلم مهما شـيـدتـه جـنـودُه ** يومًا يُـدكّ بـقـوّة الإصلاح
حتمية السنن الإلهية والردة الأخلاقية
إن سُنَنَ الله في الكون لا تحابي أحدًا، وإن موازينَ القوى في هذا الكون لا تستقرُّ على كَفَّةِ الظلمِ مهما ظَنَّ البعضُ أنها ستغلبُ بقوة الحديد والنار، وهيهاتَ أن يكون ذلك! لقد خلق اللهُ البشرَ أحرارًا، مفاخرُهم في البر والتقوى، وعزهم في كرامتهم.
بيد أننا نعيش اليوم زمن “الرِّدة الأخلاقية” التي تتبدَّى في تواطؤ النظام الدولي، وازدواجية معايير المؤسّسات الأممية التي تصمت عن المجازر؛ حَيثُ عربدت الصهيونية العالمية في ظل تحالفات الغطرسة التي يرافقها نتنياهو وترامب، ضاربةً عُرْضَ الحائط بكل القيم السماوية والقوانين والمواثيق الدولية.
وهنا يعود العربي ليتلمس السقوط الحتمي للطغاة، ولسان حاله قائلة:
كم ظـالـمٍ مـلـك البلاد بـهـيـبـةٍ ** ومـشـابـهٍ يـخـتـال بـالأفـراحِ
حتى إذَا نادى المظالمَ ربّها ** هوت القصور بظالم نباح
لا يحفظ الأوطانَ كثرةُ عِدّةٍ ** إن لـم يـصـاحـب بـأسـها إصلاح
فالعقل قبل السيف أمضى حُجّـةً ** والـرأيُ قـبـل تـطـايـر الأرمـاحِ
والصبر بحرٌ لا يضيق بثائرٍ ** والـذكـر نـورُ الـقـلـب أفق يا صاحِ
والله إن ضاقت مسالُك حيلتي ** فـتـح الـسـبـيـلَ بعـاجل الـمـفـتـاحِ
إني إذَا اشـتـدّ الـزمـانُ بأهله ** أبـصـرت خـلـفَ الـشّـدّة الأفـراحِ
فالليل مـهـمـا طـال لا بُـدَّ ينقضي ** والـفـجـر يـولـد مـن دجـى الإصـبـاحِ
عمل البر الميداني
إنها همةٌ تناطح الثريا؛ فدماء عشرات الآلاف من الأطفال والنساء في غزة ليست مُجَـرّد أرقام صماء في تقارير المنظمات الدولية المهترئة، بل هي لعنة أبدية ستطارد القَتَلَة، وصرخة حَقٍّ تزلزلُ عروشَ المستكبرين.
ولأن البرَّ لا بد أن يُترجَمَ اليوم إلى أفعال وخطوات عملية تشمل الدعمَ المالي، وكسرَ الحصار الإعلامي، ومقاطعة الأعداء، فإن الأُمَّــةَ الإسلامية لن تهدأَ حتى تأخُذَ بثأرِهم وتُدخِلَ السرورَ على أهلهم، وتقول كلمة الحق غيرَ هائبةٍ لرعونة الأعداء وطيشهم، وإن ظن المسلمون بالله محقّق لآمالهم ومصلحٌ لشؤونهم.
وفي الحديث الشريف تذكيرٌ بضرورة اليقين بنصر الله: «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء».
{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
* عضو رابطة علماء اليمن
التعليقات مغلقة.