تتجاوز التصريحات الأخيرة للمسؤولين الإيرانيين مُجَـرّد كونها خطابًا دبلوماسيًّا تقليديًّا، لتكشف عن عقيدة سياسية تعكس تحولًا بنيويًّا في موازين القوى الإقليمية والدولية.

إيران اليوم حين تتحدث عن ترحيبها بالحوار والاتّفاق؛ فهي لا تفعل ذلك من منطلق الرغبة في التهدئة لتجنب الضغوط، إنما من منطلق “الندية الكاملة” التي فرضتها على أرض الواقع.

الانفتاح المتبوع بشروط صارمة يوضح أن طهران باتت تدير اللُّعبة التفاوضية من موقع “المنتصِر” الذي يمتلك خيارات متعددة، لا “المحاصر” الذي يبحث عن طوق نجاة.

إن تأكيد إيران على أن “نقضَ العهود والحصار والتهديد” هي العوائق الرئيسية، يضع الكرة بالكامل في ملعب القوى الغربية، ويقلب الطاولة على استراتيجية “الضغوط القصوى” التي أثبتت التجربة فشلها في كسر الإرادَة السياسية الإيرانية.

فالموقف الإيراني الحالي يستند إلى ركائز صُلبة؛ منها التقدم التكنولوجي والنووي الذي لم يعد من الممكن التراجع عنه، والتحالفات الاستراتيجية شرقية الاتّجاه، والقدرة العالية على المناورة وسط الأزمات الإقليمية.

هذا الصمود لم يجعله الحصارَ ضعيفًا، إنما جعله أكثرَ تحصنًا وجرأة في مواجهة الإملاءات الخارجية.

وعندما يصف المسؤولون الإيرانيون الخطاب الغربي بـ “الثرثرة المليئة بالخداع والتناقض”، فهم يمارسون “ديبلوماسية الهجوم” التي تعرّي ازدواجية المعايير الدولية.

هذا الخطاب يعكسُ ثقة عالية بالنفس، حَيثُ ترى طهران أن الغربَ هو من يحتاج إلى الاتّفاق الآن للجم التوترات في منطقة حسّاسة، بينما استطاعت هي التكيف مع أقسى الظروف الاقتصادية.

القوة هنا لا تكمن فقط في السلاح، إنما في القدرة على الصمود الأخلاقي والسياسي أمام منظومة دولية فقدت الكثير من مصداقيتها، مما يحول أية طاولة مفاوضات قادمة إلى مِنصة لتثبيت الحقوق الإيرانية وليس لتقديم التنازلات.

في نهاية المطاف، يظهر الموقف الإيراني أن القوة الحقيقية في المفاوضات لا تُستمَدُّ من غياب الضغوط، إنما من القدرة على تحويل تلك الضغوط إلى أدوات للضغط العكسي.

إن تصريحات إيران هي إعلان عن دخول مرحلة جديدة، تكون فيها الجمهورية الإسلامية الطرفَ الذي يحدّد قواعد الاشتباك الديبلوماسي، معتمدةً على رصيد من “الصبر الاستراتيجي” الذي آتى أُكُلَه؛ ليضع العالم أمام حقيقة واحدة: إيران في موقف القوة، والعودة إلى الاتّفاقات تمر حتمًا عبر بوابة الاعتراف بمكانتها ودورها المحوري كلاعب لا يمكن تجاوُزُه أَو تهديده.