​في لحظةٍ تاريخية فارقة، حين خيّم الصمتُ المطبق على أرجاء الأُمَّــة، وانحنت الجباهُ طوعًا أَو كرهًا أمام عواصف الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، بزغ من قلب المعاناة موقفٌ كان زلزالًا هزّ أركان العقيدة السياسية المفروضة على المنطقة.

إنها الصرخة في وجه المستكبرين، العنوان العريض لمشروع قرآني متكامل، جاء ليعيد صياغة الوعي الجمعي من حالة الجمود والارتهان إلى حالة الاستنهاض والفاعلية.

 

​الصرخة كفعلٍ استراتيجي

​لم تكن الصرخة يومًا مُجَـرّد كلمات تُردّد، بل كانت بداية الانطلاقة العملية التي نقلت الأُمَّــة من مربع التلقي السلبي للضربات إلى مربع الموقف الحق.

في زمنٍ أراد فيه الأعداء تكميم الأفواه وتجريم أي صوت يناهض الاستكبار، جاءت هذه الصرخة لتكسر حالة الصمت وتفشل مخطّطات تفريغ الساحة للأعداء.

هي باختصار، أدَاة تحصين داخلي تمنع تدجين الإنسان العربي والمسلم، وتكشف زيف العناوين البراقة التي يتشدق بها الغرب، كحقوق الإنسان والديمقراطية، بينما تُذبح النساء في غزة بسلاح أمريكي كُـلّ نصف ساعة.

 

​بين الوعي والتضليل: معركة البُوصلة

​يركز قائد الثورة في رؤيته على نقطة جوهرية: ضبط بوصلة العداء.

فمن أخطر ما عانته الأُمَّــة هو نجاح اللوبي الصهيوني في اختراق الوعي، وتحويل مسار العداء من العدوّ الحقيقي (اليهود الصهاينة) إلى الداخل الإسلامي.

ومن هنا، تأتي أهميّة الصرخة في تصحيح موازين الموالاة والمعادَاة بناءً على المعايير القرآنية والفطرية.

​إن محاولة تصوير المواقف الحرة ضد كَيان الاحتلال الصهيوني بأنها وكالة عن إيران ليست سوى أكذوبة صهيونية رخيصة، تهدف إلى سلب العرب قضيتهم المركزية وإيهامهم بأن استهداف المقدسات وقتل الأطفال في فلسطين ولبنان هو شأن إيراني لا يعنيهم! والحقيقة أن هذا الموقف هو موقف إسلامي أصيل تفرضه الكرامة الإنسانية قبل أي حسابات سياسية.

 

​الإعلام العربي ودور الأبواق الصهيونية

​يضع خطابُ السيد اليد على الجرح الغائر في واقعنا العربي؛ حَيثُ تحولت وسائل إعلام وأنظمة رسمية إلى أبواق صهيونية تمارس الحرب النفسية ضد شعوبها.

هؤلاء الذين يبخسون انتصارات المقاومة في لبنان وفلسطين، ويضخمون صورة العدوّ الذي لا يُقهر، يعملون ضمن مخطّط مدروس لترسيخ اليأس.

إنهم يلومون الضحية (حماس، حزب الله، اليمن) على رد الفعل، بينما يلوذون بالصمت المريب أمام سبعة عقود من الإجرام الصهيوني الممنهج.

 

​خيار الوجود لا خيار الحدود

​لقد أثبتت أحداث طوفان الأقصى وما تلاها أن وَحدة الساحات هي النموذج الأنجع لمواجهة الغطرسة.

إن انزعَـاج العدوّ من تعاون محور الجهاد والمقاومة نابعٌ من إدراكه أن تجزئة المعركة كانت سلاحه الأقوى للقضاء على الأُمَّــة فرادى.

واليوم، يتجلى الموقف اليمني، بصلابته في المعركة البحرية، كشاهدٍ حي على فاعلية هذا المشروع الذي لم يتراجع أمام التهديدات ولا أغرته المساومات السياسية أَو العروض الدولية التي قُدمت.

 

​كلفة الاستسلام أم ضريبة الحرية؟

​إن المنطقة اليوم تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في مسار التطبيع الذي هو بوابة التغلغل الصهيوني لتدمير الهُوية والسيطرة على التعليم والاقتصاد، وإما التموضع في ميدان المواجهة الشاملة (عسكريًّا، وثقافيًّا، واقتصاديًّا).

​إن الهدنة الهشة التي نعيشها اليوم ليست نهاية المطاف، بل هي محطة في صراع مُستمرّ لن ينتهي إلا بهزيمة المخطّط الصهيوني.

الصرخة ستبقى هي العنوان، والقرآن هو المنهج، والوعي هو السلاح الأقوى في معركة استعادة الكرامة المسلوبة.

فكلفة الاستسلام هي خسارة الدنيا والآخرة، أما ضريبة الحرية فهي الطريق الوحيد نحو النصر الموعود.