“الصرخة” من التأسيس الأول إلى تصحيح البُوصلة الاستراتيجية للأُمَّـة
صنعاء سيتي | تقرير | محمد فاضل العزي
يمثل الخطاب الأخير للسيد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله، تزامنًا مع الذكرى السنوية للصرخة في وجه المستكبرين، وثيقة سياسية وفكرية متكاملة لتشخيص واقع الأُمَّــة الإسلامية والعربية في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
لم يقتصر الخطاب على السرد التاريخي لانطلاقة “الصرخة” على يد الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه عام 2002، بل تجاوزه ليقدم تشريحًا دقيقًا لآليات الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، وفضحًا لحالة التواطؤ الرسمي العربي، وتفكيكًا للحرب النفسية والإعلامية الموجهة ضد وعي الأُمَّــة.
فيما يلي تحليل لأبرز المحاور الاستراتيجية التي ارتكز عليها الخطاب:
كسر حاجز الصمت: البعد التأسيسي للصرخة
أكّـد الخطاب أن “الصرخة” لم تكن مُجَـرّد شعار عابر، بل كانت نقلة عملية وحكيمة في مرحلة مفصلية (بداية الألفية الثالثة) اتسمت بالاندفاعة الأمريكية لفرض مشروع “الشرق الأوسط الجديد” والمشروع الصهيوني الأمريكي، تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”.
الضرورة الاستراتيجية:
جاءت الصرخة لكسر استراتيجية “تكميم الأفواه” التي عمل الأعداء على فرضها لتهيئة الساحة لسيطرتهم الكاملة دون أية عوائق أَو مناهضة.
التحصين الداخلي: اعتبر الخطاب أن الشعار يمثل أدَاة فعالة لتحصين الداخل الإسلامي، ونقل الشعوب من حالة الجمود والتبعية المذلة إلى مستوى “الموقف الحق” المستمد من الرؤية القرآنية.
مفارقة الولاء والعداء: سقوط الأقنعة عن الأنظمة الرسمية
من أقوى الرسائل التحليلية في الخطاب هي المقارنة الصارخة التي فضح بها حالة الانفصام والتواطؤ لدى بعض الأنظمة (وخَاصَّة الخليجية).
تجريم التضامن: أشار الخطاب إلى مفارقة خطيرة تتمثل في وصول بعض الدول إلى معاقبة وتجريم مُجَـرّد التعاطف بالدعاء أَو التغريد مع الشعبين الفلسطيني واللبناني.
تبرير الإجرام الصهيوني: في مقابل قمع حرية التعبير المناهضة لكَيان الاحتلال، تفتح هذه الأنظمة المجال واسعًا للتعبير عن الولاء للعدو وتبرير مجازره الوحشية في غزة، بل وتوجيه الانتقادات لحركات المقاومة.
هذا التحول، وفقًا للخطاب، ليس مُجَـرّد تخاذل، بل هو “ارتداد وتراجع عن مبادئ الإسلام” وقبول خطير بمعادلة “الاستباحة” الصهيونية والأمريكية للأُمَّـة.
الحرب النفسية وإعلام “الأبواق الصهيونية”
خصص الخطاب مساحة واسعة لتحليل أداء الآلة الإعلامية المرتبطة بأمريكا وكَيان الاحتلال داخل الجسد العربي.
تعمل هذه المنظومة وفق مسارين مترابطين:
صناعة اليأس والتبخيس: السعي الدؤوب لتقزيم أي انتصار تحقّقه المقاومة (كما حدث في عامي 2000 و2006 مع حزب الله عند انتصاره في خربه على كيان الاحتلال الصهيوني، وما يحدث اليوم في غزة ومساندة اليمن وباقي جبهات المحور).
يتم تصوير أي تقدم للعدو وكأنه قدر محتوم لتكريس الروح الانهزامية.
توجيه اللوم للضحية: تسعى هذه الأبواق لترويض الأُمَّــة لتكون كـ “الدجاج والغنم” تساق للذبح بصمت.
وعندما تقوم حركات المقاومة (مثل عملية طوفان الأقصى) برد فعل طبيعي ومسؤول على 70 عامًا من الإجرام، تنبري هذه الأبواق لمهاجمة المقاومة وتحميلها المسؤولية، لتبرئة العدوّ الصهيوني.
تفكيك سردية “الوكالة عن إيران”: العودة إلى أصالة الصراع
يعتبر هذا المحور من أهم النقاط المفصلية في الخطاب، حَيثُ تصدى السيد القائد لمحاولة العدوّ حرف بوصلة الصراع وتحويله إلى صراع إقليمي (إيراني-إسرائيلي) لتفريغ العرب من مسؤولياتهم.
قدم الخطاب حجّـة منطقية متماسكة لدحض هذه السردية:
الصراع عربي-إسلامي بامتيَاز: الذي يُقتل، وتُحتل أرضه، وتُدمّـر منازله، وتُدنس مقدساته هم العرب (في فلسطين، لبنان، سوريا، وغيرها).
والعدوّ الإسرائيلي يرفع شعار “الموت للعرب”.
مكيدة المصطلحات: مصطلح “وكلاء إيران” هو صناعة يهودية بحتة، تبنته الأنظمة العربية المتخاذلة كذريعة للتنصل من القضية وتصوير من يتحَرّك للدفاع عن كرامته وكأنه “فضولي” يتدخل فيما لا يعنيه.
الموقف الإيراني المبدئي: أوضح الخطاب أن وقوف الجمهورية الإسلامية في إيران مع القضية الفلسطينية هو التزام بمبادئ الإسلام، وأن معأدَاة بعض الأنظمة العربية لإيران اليوم نابع من تبنيها لهذا الموقف الأصيل، مذكرًا بمفارقة تاريخية؛ حينما كان شاه إيران مواليًا لكَيان الاحتلال، كان يحظى باحترام بالغ من ذات الأنظمة العربية التي تعادي طهران اليوم.
المقاطعة وفضح العناوين الزائفة
أعاد الخطاب التأكيد على أن الموقف القرآني متكامل، ولا يقتصر على الشعار اللفظي.
المقاطعة الاقتصادية: هي السلاح الموازي والمتمم للصرخة، وهي خطوة حتمية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وبناء أُمَّـة منتجة متحرّرة من الارتهان لاقتصاد الأعداء.
سقوط القيم الغربية: أثبتت أحداث غزة والدعم الأمريكي المفتوح للمجازر (قتل امرأة كُـلّ نصف ساعة) زيف كُـلّ العناوين البراقة التي حاول الغرب خداع الأُمَّــة بها لعقود، مثل “حقوق الإنسان” و”حقوق المرأة” و”الديمقراطية”.
إذن.. يمكن القول إن الخطاب قدم خارطة طريق استراتيجية مبنية على الوعي القرآني.
لقد أثبتت الأحداث، كما أشار السيد القائد، أن الخطر الأمريكي-الصهيوني هو خطر وجودي يستهدف إبادة الأُمَّــة واستعبادها.
وفي ظل هذا الاستهداف، تصبح “الصرخة” ومعرفة “من نوالي ومن نعادي” ليست مُجَـرّد خيارات سياسية، إنما هي قضية وجود وكرامة ومسؤولية دينية، تكسر قيود الهزيمة النفسية، وتوجّـه البُوصلة نحو العدوّ الحقيقي، وتؤسس لنهضة شاملة تستعيد بها الأُمَّــة سيادتها وحريتها.
التعليقات مغلقة.