لم تكن معركة بنت جبيل مواجهةً تكتيكيةً عابرة، بل لحظة كاشفة لاختبار العقيدة القتالية الصهيونية، وقد سقطت فيه قبل أن تسقط الآليات.

ما جرى في سوق المدينة لم يكن تقدّمًا، إنما هو انزلاقٌ محسوبٌ للعدو إلى حرب مدن يعرف جيش الاحتلال كلفتها، وتُتقن المقاومة إدارتها.

 

أولًا: هندسة الهزيمة في المسافة صفر:

اختار حزب الله الاشتباكَ من أقرب مسافة، مُحوِّلًا التفوّق الناري إلى عبء.

التحامٌ مباشر، أسلحة خفيفة ومتوسطة، نيرانٌ متقاطعة، واستهداف دقيق لتعزيزات العدوّ داخل النسيج العمراني.

هذه ليست جرأةً فحسب؛ إنها عقيدة قتال تُمسك بالميدان وتمنع تثبيت صورة نصر.

النتيجة كانت واضحة: تقدّمٌ بلا تمركز، واستنزاف متراكم يُسقِط فرضية الحسم.

 

ثانيًا: الرمز حين يتحوّل كمينًا:

بنت جبيل ليست نقطةً على الخريطة؛ هي ذاكرة كسر الأُسطورة.

محاولة الوصول إلى سوقها كانت بحثًا عن صورةٍ لا عن سيطرة.

هنا تحديدًا تحوّل الرمز إلى كمينٍ استراتيجي: كُـلّ مترٍ يرفع الكلفة، وكل ساعةٍ تُضاعف الخسائر.

هكذا تُبنى معادلة الردع: الأرض تقاتل مع أصحابها، والمدينة تُربك من يجهلها.

 

ثالثًا: من 2006 إلى اليوم.. النتيجة نفسها بوسائلَ أعمق:

يتكرّر السيناريو الذي أسقط وهم الجيش الذي لا يُقهر: تطويقٌ، نارٌ كثيفة، ثم عجزٌ عن الحسم.

الفارق اليوم أنّ المقاومة توسّع التأثير: دفاعٌ صلب في المدينة، وضربٌ للعمق بما فيه نهاريا.

إنها معادلة تُسقط خيار الاستفراد وتُعيد تعريف الردع: لا تقدّم بلا ثمنٍ مضاعف، ولا هدنة بلا لبنان.

 

رابعًا: القيادة التي تمنع صورة النصر:

تندرج المعركة في صُلب رؤية السيد حسن نصر الله: منع أية صورة نصر، وتراكم الردع، وإفشال المنطقة العازلة.

سياسيًّا، انكشف السقف الإسرائيلي بمحاولات تحسين شروط تفاوضية تحت الضغط، وباعتداءاتٍ على اليونيفيل لتحييد الشهود مع تصاعد الالتحام.

 

خامسًا: أكذوبة نتنياهو… حين يفضح الإخراج عجزَ الميدان:

في ذروة الفشل البري، لجأ بنيامين نتنياهو إلى فيديو حضورٍ ميداني مُلفَّق، ظَنًّا أنّ الصورة تعوّض ما عجزت عنه الدبابة.

غير أنّ التحليل البصري التقني أسقط الرواية سريعًا: تضليلٌ مكانيّ ببنى اتصالات وقواعد ثابتة خلف الحدود.

ليست زلّة إنتاج، بل خيارًا سياسيًّا يُخفي حقيقةً أبسط: الجنوب محرّم على القيادات.

قائدٌ يحتاج إلى استوديو ليبدو موجودًا، هو اعتراف غير مباشر بأنّ الأرض ليست بيده.

وفي موازاة هذا الانكشاف الإعلامي، تتكشف في الميدان صورةٌ أشدّ قسوة على منظومة الردع الإسرائيلية؛ إذ لم يعد التزييف المكاني مُجَـرّد محاولة لتجميل الفشل، بل صار غطاءً نفسيًّا لواقعٍ يتآكل تحت النار.

فقد أعلنت المقاومة استهداف قاعدة بحرية إسرائيلية في أسدود بصواريخ نوعية بعيدة المدى، برأس حربي ثقيل، في رسالة تتجاوز الردّ التكتيكي إلى كسر عمق الردع البحري ذاته.

وهنا تتقاطع الصورة مع الحقيقة: بينما يصنع نتنياهو حضورًا مُفبركًا بالكاميرا، كانت الصواريخ ترسم حضورًا حقيقيًّا في عمق الجغرافيا الإسرائيلية، لتسقط سردية السيطرة من البحر إلى البر، ويتحوّل الكذب الإعلامي إلى انعكاس مباشر لانهيار أوسع.

في بنت جبيل، انتصرت العقيدة على الآلية، والتنظيم على الضجيج.

كَيان الاحتلال هُزمَ لأنه فقدَ المبادرة وسقطت سرديته، فلا أمن للشمال ما لم يتوقف النزيف في الجنوب.

والمدينة التي تعرف أبناءها، تُرعب من يجهلها.