من المعصية إلى الجريمة.. كيف يسقط المجتمع؟
صنعاء سيتي | تقرير | طارق الحمامي
في سياق التأمل العميق في سنن الله الجارية في المجتمعات والأمم، تبرز رؤية الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه بوصفها قراءة قرآنية نافذة تكشف العلاقة المباشرة بين تكرار المعصية، وغياب ثقافة الإنكار، والانحدار الأخلاقي الذي يقود إلى الجرأة على الكبائر والجرائم العظمى، وانطلاقًا من قوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ، يرسم الشهيد القائد صورة دقيقة لمسار الانحراف المجتمعي، موضحًا أن السقوط لا يحدث دفعة واحدة، وإنما هو نتيجة تراكمية لعصيان متكرر يصبح مع الزمن سلوكًا مألوفًا، فالمعصية حين تتكرر دون ردع، ودون نهي أو استنكار، تفقد في الوعي الجمعي قبحها، وتتحول من استثناء إلى حالة اعتيادية، ومن ذنب فردي إلى ثقافة اجتماعية صامتة.
تكشف الرؤية القرآنية التي يشرحها الشهيد القائد أن أخطر ما يصيب أي مجتمع ليس وقوع المعصية في حد ذاتها، بل التطبيع معها، فحين يسود الصمت، وتغيب فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يصبح المجتمع مهيأً للانتقال من الذنوب الصغيرة إلى الكبائر الكبرى، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ}، إنها ليست مجرد إشارة إلى فعل المنكر، بل إلى الاستسلام الجماعي له، فالمجتمع الذي لا يستنكر الظلم، ولا يواجه الفساد، ولا يرفض الانحراف، سرعان ما يصل إلى مرحلة الجرأة على ما هو أعظم، حتى يصبح ارتكاب الجرائم الكبرى أمرًا لا يثير الحساسية الأخلاقية، ومن هنا تأتي دلالة قول الشهيد القائد إن هذه الحالة قد “ترشح” المجتمع لارتكاب جرائم كبيرة بغير حق؛ لأن النفوس قد ألفت تجاوز الحدود.
التحليل الذي يقدمه الشهيد القائد يتجاوز البعد الوعظي إلى فهم سنني عميق لحركة المجتمعات، فالجريمة الكبرى سواء كانت ظلمًا سياسيًا، أو فسادًا إداريًا، أو خيانة للأمة، أو سفكًا للدماء، لا تنشأ فجأة، بل تسبقها بيئة اجتماعية رخوة تهاونت مع الصغائر، ولهذا جاء في الآية الأخرى: {يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، وهنا يربط القرآن بين المعصية المتكررة وبين الوصول إلى أقصى درجات العدوان، فحين يضعف الضمير الجمعي، يصبح كل شيء ممكنًا، الظلم يصبح سياسة، والفساد يصبح سلوكًا مألوفًا، والجريمة تصبح مبررة، والعدوان يصبح خيارًا طبيعيًا، وهذه واحدة من أخطر الرسائل التربوية في هذا الدرس القرآني.
في المقابل، يفتح الشهيد القائد أفقًا تربويًا بالغ الأهمية من خلال استحضار قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، هنا ينتقل الخطاب من التحذير من السقوط إلى فتح باب الرحمة والهداية، فالقرآن لا يغلق الأبواب أمام أحد، بل يجعل معيار النجاة هو التحول الحقيقي في الإيمان والطاعة، وهذا البعد يعكس سعة المنهج القرآني، الحزم في مواجهة الباطل، والانفتاح الكامل أمام التوبة والهداية، إنها معادلة دقيقة بين الثبات على الموقف والرحمة بالإنسان.
من أعمق ما ورد في هذه الرؤية تأكيد الشهيد القائد على أن الصراع مع أعداء الحق لا ينبغي أن يتحول إلى صراع شخصي، فهذه الفكرة تمثل بُعدًا تربويًا رفيعًا في بناء الشخصية المؤمنة، المؤمن يقف بشدة في وجه الباطل، لكنه لا ينطلق من حقد شخصي أو نزعة انتقامية، وإنما من موقف مبدئي لله وفي الله، وهذا المعنى يتجلى في الفكرة التي أوردها عن مالك الأشتر: “إن عليًا علمني كيف أقاتل العدو دون أن أحقد عليه”، وهي عبارة تختصر فلسفة الموقف الإيماني، صلابة في المواجهة، سمو في المقصد، ونقاء في الدافع، فالعداء ليس للذات، بل لما يمثله الطرف الآخر من باطل وعدوان.
هذا الدرس في جوهره ليس مجرد تفسير آيات، بل هو مشروع لبناء الوعي المجتمعي، إنه يرسخ عدة مفاهيم، خطورة التهاون مع المنكر، وضرورة صناعة الرقابة الأخلاقية المجتمعية، ورفض تحويل الخلاف إلى ثأر شخصي، والإيمان بأن باب الهداية مفتوح، وبناء موقف مبدئي قائم على الحق، وهي مفاهيم تكتسب حضورًا خاصًا في الثقافة القرآنية المرتبطة بالمسيرة المباركة فكرا ومنهجا .
يقول شهيد القرآن رضوان الله عليه:
{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (البقرة: من الآية61) أحياناً قد تأتي الحالات هذه نتيجة عصيان متكرر وعصيان لا يأتي معه نهي عنه. جاء في آيات أخرى بأنهم ما كانوا يتناهون عن منكر فعلوه، المعاصي عندما تتابع على مختلف أنواعها فأحياناً قد تصل بمجتمع معين أو فئة إلى حالات من هذه: ارتكاب معاصي كبيرة بجرأة، لم يعد هذا المجتمع يتحاشى من شيء {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} (المائدة: من الآية79) مثلما قال في آية أخرى بلغ الحال إلى أن أصبحوا هكذا: {يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (البقرة: من الآية61).
هذه القضية حقيقية أنه قد يكون أحيانا إذا هناك مجتمع يكون الناس فيه يمارسون المعاصي بمختلف أنواعها ولا هناك نهي ولا استنكار تأتي قضية هي كبيرة من الكبائر قد ينطلقون فيها، تلك الفئة بدون مبالاة وبدون خوف وبدون خوف من أنه قد يكون هذا الشيء قد يثير الناس أو قد يؤدي إلى استنكار الناس، لا، قد هم متعودين؛ لأنه مجتمع يعمل واحد ما يريد لا أحد يستنكر عليه ولا أحد سيقول له شيئاً، تكون أشياء أو تكون حالة قد تكون هذه في المجتمع ترشحه لأن يعمل جرائم كبيرة من هذا النوع بغير حق.
موضوع رحمة الله مفتوح {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (البقرة: من الآية62) من اتجه هذا الإتجاه سواء كان أصله من الذين هادوا أو من النصارى أو من الصابئين أو من أي فئة كان {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ماذا نفهم من الآية هذه في خلاصتها؟ أن تعرف أن هذا الحديث ما كأنه حديث عن جنس من البشر يكونون هكذا كموقف شخصي منهم بل هم لو استقاموا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هذه الحالة هامة جداً بالنسبة للمؤمنين قضية هامة جداً، أحياناً عندما تتحول القضية عندك إلى شخصية يكون لها آثار سلبية في موقفك، آثار سلبية في قراراتك فعلاً.
هناك عبارة جميلة رأيتها في [فيلم] ولم أرها لحد الآن في أي مصدر من المصادر عن مالك الأشتر قال: [إن علياً علمني كيف أقاتل العدو دون أن أحقد عليه] أليست هكذا العبارة؟ أي المجال بالشكل الذي أنت موقفك من الآخر ليس موقفاً شخصياً بما تعنيه الكلمة؛ إنما لِما هو عليه.
الموقف الشخصي أحياناً تتبنى مواقف شخصية بحتة تتحول المسألة إلى صراع شخصي لم يعد صراعا من أجل دين الله من أجل ما ذلك الشخص، الطرف عليه، هنا يقول: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} (البقرة: من الآية62) أليس هنا يسردهم في مقام واحد هؤلاء الذين قد أصبحوا محسوبين على هذا الدين يعني ماذا؟ يؤمنون بالله وبرسوله وبالقرآن قد أصبحوا هكذا، {وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (البقرة: من الآية62) ليس معناها مع ماذا؟ مع كفره بالقرآن وكفره بالرسول؛ لأن هذه لا تتأتى أي هي لا تحصل، ما هي حاصل عندما تفهم ماذا يعني الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر الإيمان بالله ما هو؛ لأن الإيمان بالله ليس مجرد عقيدة فقط الإيمان بالله ليس فقط مجرد عقيدة، من إيمانك بالله أن تؤمن بأنه هو إلهك وملكك وربك أنك عبد له تسلم نفسك له تطيعه هو يريد منك أن تكون كذا، هذا الإيمان
في صراعك مع أعداء الله يجب أن لا تجعله صراعا شخصيا قاتله على أرقى مستوى، قاتله وتكون من أولي بأس شديد في الله ولله، وتتمنى أنه لو يهتدي ومقبول لو يهتدي، هذه قضية أعني: في التربية القرآنية يصل الإنسان إلى هذه: يكون شديداً على أعداء الله وفي نفس الوقت لا ينطلق من مواقف شخصية لديه هو، وفي نفس الوقت مقبول إذا أراد أن يسلم حياّه الله يسلم ويؤمن طبيعي، هذه القضية هامة من الناحية التربوية، هي خلاف الذي يطرحونه [القبول بالآخر] يريدون القبول بالآخر على ما هو عليه! أبداً لا تقبل هذا الآخر على ما هو عليه أبداً، تقف في وجهه تحاربه تتصارع معه لكن إذا رجع، إذا دخل فيما أنت فيه وآمن بهذا القرآن وبالنبي (صلوات الله عليه وعلى آله) وأصبح من المسلمين، هنا قد له ما لك وعليه ما عليك.
إن الرؤية التي يقدمها الشهيد القائد في هذا الدرس تكشف أن سقوط المجتمعات يبدأ من الصمت عن المنكر، وأن النجاة تبدأ من إحياء الضمير القرآني الحي، فالمعركة الحقيقية ليست فقط مع الفعل المنكر، بل مع حالة الاعتياد عليه،
وحين يفقد المجتمع حساسيته تجاه الخطأ، يصبح مهيأً لكل انحراف كبير، ومن هنا تظل الرسالة المركزية لهذا الدرس، إن حماية المجتمع تبدأ من الوعي، ومن الجرأة على قول الحق، ومن رفض الصمت أمام الباطل.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.