تحالف المعاول والبارود.. من تفجير مقام ‘شمعون الصفا’ إلى مراحيض مكة.. مؤامرة طمس الهوية الإسلامية
صنعاء سيتي | تقرير | محسن علي
في مشهد تتشابه فيه الأيادي الخفية والأهداف المعلنة، يتجلى إجرام العدو الصهيوني والفكر الوهابي التكفيري كوجهين لعملة واحدة تستهدف الذاكرة الجمعية والهوية للأمة الإسلامية وطمس هويتها الأصيلة, فبينما تفجر آلة الحرب الإسرائيلية مقام النبي شمعون الصفا في جنوب لبنان، تعود بنا الذاكرة إلى معاول التكفير في هدم القبور والأضرحة والقباب للأولياء والصالحين في اليمن وهدم بيوت النبوة في مكة وتحويلها إلى مرافق للخلاء، في تواطؤ مفضوح على طمس الهوية وتشويه التاريخ هذا التقرير يكشف عن خيوط هذه المؤامرة المزدوجة، التي لا تفرق بين قدسية المكان ورمزية الزمان، لتجعل من مقدساتنا ساحة مشتركة للهدم والتدمير, وتكشف عن خيوط مؤامرة متشابكة تربط بين ممارسات العدو الصهيوني والفكر الوهابي التكفيري في استهداف ممنهج للمعالم الأثرية والتاريخية.
في مشهد يعكس أقصى درجات العدوانية، أقدم جيش العدو الإسرائيلي اليوم على تفخيخ وتفجير مقام النبي شمعون الصفا في بلدة شمع، جنوب لبنان، هذا المقام، الذي يقع على تلة استراتيجية ويضم ضريحاً يُنسب للنبي شمعون الصفا (المعروف أيضاً ببطرس الرسول في التقاليد المسيحية)، لا يمثل مجرد بناء تاريخي، بل هو معلم ديني وثقافي ذو أهمية بالغة للمنطقة, جاء هذا التفجير المروع بعد أن تعرضت قوة إسرائيلية لكمين في محيط المقام، مما دفع العدو إلى تدمير المعلم بالكامل في عمل انتقامي، يندرج ضمن سياسة الأرض المحروقة ومحاولات طمس الهوية الثقافية والدينية للمنطقة , هذه الجريمة ليست معزولة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات والأماكن الأثرية في فلسطين ولبنان، بهدف محو الوجود العربي والإسلامي.
لا يختلف المشهد كثيراً في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، حيث يتولى الفكر التكفيري الوهابي مهمة الهدم والتدمير، مستهدفاً الأضرحة والمقامات والمساجد التاريخية, ففي اليمن، وثقت تقارير عديدة تدمير عشرات الأضرحة والمقامات في تعز وحضرموت وعدن على يد الجماعات التكفيرية الوهابية مثل القاعدة وداعش، التي تستلهم فكرها من المدرسة الوهابية التي تعتبر هذه المعالم”أوثاناً” يجب هدمها , هذا الفكر، الذي امتد ليشمل تدمير آثار عريقة في العراق وسوريا على يد تنظيم داعش (مثل تدمر والموصل)، يتقاطع بشكل لافت مع الأهداف الصهيونية في استهداف الذاكرة الجمعية والمقدسات التي لا تتوافق مع روايتهم إنها حرب على التاريخ والهوية، تُشن بأدوات مختلفة ولكن بأهداف متقاربة.
تتجلى مأساة طمس الهوية الإسلامية بشكل صارخ في أقدس بقاع الأرض، مكة المكرمة والمدينة المنورة. ففي مكة، تم هدم منزل السيدة خديجة بنت خويلد، زوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتحويل مكانه إلى مراحيض عامة , كما تعرض منزل الرسول صلى الله عليه ووآله سلم نفسه للهدم والتغيير تحت مسمى التوسعة أو منع “الشرك” , هذه الممارسات، التي تندرج ضمن الفكر الوهابي الذي يعتبر تعظيم هذه الأماكن نوعاً من الشرك، أدت إلى محو جزء كبير من التاريخ الإسلامي العريق في مهده .
ولم تسلم المدينة المنورة من هذا الفكر، حيث توجد فتاوى وهابية تاريخية ومعاصرة تدعو صراحة إلى هدم القبة الخضراء فوق قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وإخراج القبر من المسجد النبوي، بدعوى محاربة البدع والشرك , وقد جرت محاولات فعلية في بدايات الدولة السعودية لهدم القبة، لكنها باءت بالفشل لأسباب مختلفة، منها الخوف من ردود الفعل الإسلامية الواسعة .
يكشف التناقض في التعامل مع الآثار عن أبعاد أعمق لهذه المؤامرة, فبينما يتم هدم وتدمير المعالم الإسلامية في كل من لبنان واليمن ومكة والمدينة، تقوم السلطات السعودية حالياً بترميم حصون خيبر، مثل حصن مرحب، والاحتفاء بها كمعالم سياحية وتاريخية , خيبر، التي كانت معقلاً لليهود في شبه الجزيرة العربية، يتم الحفاظ على آثارها وترميمها، في حين يتم طمس المعالم المرتبطة بآل البيت والصحابة الكرام.
هذا التناقض الصارخ يثير تساؤلات جدية حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الممارسات, هل هو مجرد تطبيق لفكر ديني متشدد، أم أن هناك أبعاداً سياسية واستراتيجية تهدف إلى طمس الهوية الإسلامية الأصيلة واستبدالها بهوية “سياحية” أو “تاريخية” تخدم روايات معينة، أو تتقاطع مع الأهداف الصهيونية في إضعاف الروابط الدينية للمسلمين بمقدساتهم وتاريخهم؟
إن ما حدث من تفجير لمقام النبي شمعون الصفا، وتدمير للأضرحة في اليمن، وهدم لبيوت النبوة في مكة، ومحاولات طمس قبر الرسول صلى الله عليه وآله، ليس سوى فصول في حرب شاملة على الذاكرة والهوية الإسلامية, هذه الحرب، التي تجمع بين معاول التكفير وبارود الاحتلال، تهدف إلى تفكيك الروابط التاريخية والدينية للمسلمين وطمس هويتهم الأصيلة، وإعادة تشكيل وعيهم بما يخدم أجندات معينة,و إن الحفاظ على هذه المعالم ليس مجرد الحفاظ على حجارة، بل هو الحفاظ على جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة وكرامتها ووجودها.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.