حرب مكلفة.. تقرير أمريكي يكشف نزيف المليارات في مواجهة إيران

صنعاء سيتي | صحافة

 

قالت صحيفة “ذا كريدل”الأمريكية إن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران تكشف عن أزمة استنزاف غير مسبوقة طالت مخزونات الصواريخ الذكية ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات عالية القيمة، بكلفة تجاوزت عشرات مليارات الدولارات خلال أسابيع قليلة.

وأكدت الصحيفة أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أظهرت أزمة بنيوية عميقة تتعلق بقدرة الولايات المتحدة و”إسرائيل” على الاستمرار في القتال وإعادة ملء مخزوناتهما. فخلال الأسابيع الأولى من العمليات، استُهلكت كميات هائلة من الصواريخ والطائرات والقنابل الذكية.. ووفقاً لتقرير صادر عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة في 24 آذار/مارس 2026، بلغ إجمالي الذخائر المستخدمة خلال أول 16 يومًا من الحرب 11,294 ذخيرة، بكلفة مباشرة تقدَّر بنحو 26 مليار دولار، في حين قد تتجاوز كلفة إعادة التعويض 50 مليار دولار، ما يعكس فجوة متسارعة بين القدرة على إطلاق النار والقدرة على تعويضها صناعياً.

 

لكن الرقم الأكثر دلالة برز في المرحلة الافتتاحية للحرب؛ ففي أول 96 ساعة فقط، أطلق التحالف 5,197 ذخيرة من 35 نوعًا مختلفًا، ما جعل هذه الحملة واحدة من أكثر العمليات الجوية كثافة في التاريخ الحديث. وتكشف الأرقام التفصيلية حجم الاستنزاف الحقيقي في مجال الدفاع الجوي، حيث أطلقت البطاريات الأميركية والخليجية خلال تلك الساعات الأربع 943 صاروخ باتريوت، وهو رقم صادم يعادل نحو 18 شهرًا من الإنتاج الصناعي المستمر. الأمر ذاته انطبق على منظومات ثاد، التي استُخدم منها نحو 145 صاروخًا، ما يعادل أكثر من ثلث المخزون التقديري المسبق، ليتحول الأمر من مجرد استنزاف إلى خلل هيكلي في توازن الدفاع الاستراتيجي.

 

أما في الجانب الإسرائيلي، فقد واجهت الدفاعات ضغطاً غير مسبوق أدى لتراجع مخزون صواريخ “حيتس أو آرو” بأكثر من 50% خلال الأيام الأربعة الأولى فقط، مع تقدير بأن تعويض هذا النقص يحتاج إلى نحو 32 شهرًا من الإنتاج. ووفق التقديرات، فإن فاتورة الذخائر خلال هذه الساعات الـ 96 الأولى وحدها تراوحت بين 10 و16 مليار دولار، لترتفع إلى 20 مليار دولار عند احتساب خسائر الطائرات والأنظمة. هذا النمط القائم على الاستهلاك السريع أدى لتعطيل أو تدمير ما لا يقل عن 12 رادارًا ومحطة أقمار صناعية، ما تسبب في تراجع كفاءة الاعتراض ورفع كلفة الدفاع، حيث بات من الضروري أحياناً إطلاق 11 صاروخاً لاعتراض هدف واحد، أو 8 صواريخ باتريوت لاعتراض مسيّرة واحدة، وهو استنزاف غير قابل للاستدامة.

 

وعلى الجانب الهجومي، كشف التقرير عن استهلاك ضخم للمخزونات الجاهزة من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، حيث استُخدمت كميات هائلة شملت 225 صاروخاً من فئتي “إم جي إم-140 أتاكمز و بريزم “خلال الأيام الأربعة الأولى فقط، وهي صواريخ أرض-أرض باليستية تُعد العمود الفقري للضربات الجراحية العميقة. وبالتوازي مع ذلك، أطلق التحالف أكثر من 500 صاروخ “توماهواك” على مدار الـ 16 يوماً، منها 375 صاروخاً جرى استهلاكها في المرحلة الافتتاحية وحدها؛ وتكمن المعضلة الاستراتيجية في أن إعادة تصنيع هذا العدد من “التوماهوك” قد يستغرق نحو 53 شهرًا، أي ما يزيد عن أربع سنوات من العمل الصناعي المتواصل، مما يعني فقدان القدرة على تكرار هذا النمط من العمليات الجوية المكثفة في أي مواجهة قريبة قادمة.

 

ولم يتوقف الاستنزاف عند هذا الحد، بل امتد ليشمل ترسانة الصواريخ الجوالة والموجهة من طراز “إيه جي إم-158” صواريخ الجو-أرض الموجهة بدقة، والتي استُخدمت بمئات الوحدات لضرب الرادارات ومراكز الاتصالات الإيرانية المحصنة، حيث تبلغ كلفة الصاروخ الواحد منها أكثر من مليون دولار، ويستغرق إنتاجه دورة زمنية طويلة تعتمد على توفر شرائح إلكترونية معقدة تخضع حالياً لقيود سلاسل التوريد. كما أشار التقرير إلى استخدام مكثف لصواريخ “هارم” المضادة للإشعاع “الرادارات” لتأمين مسارات الطائرات، مما أدى إلى تآكل المخزون المخصص لمسرح العمليات الأوروبي بشكل خطير.

 

وكشفت الصحيفة أن هذا الضغط الهائل على الصواريخ “الذكية” وضع القيادة العسكرية أمام واقع مرير؛ فبينما كانت الصواريخ تصيب أهدافها بدقة تكتيكية، كانت تفرغ المستودعات من أصول استراتيجية لا يمكن تعويضها إلا عبر سنوات من الاستثمار الصناعي، مما خلق فجوة في الردع العالمي لا يمكن سدها بالمال وحده.

وفيما يخص العمليات ضد الأهداف الاستراتيجية والمنشآت المحصنة، كشف التقرير عن استخدام 8 قنابل من طراز “جي بي يو-57” و هي أقوى قنبلة تقليدية خارقة للتحصينات المعروفة بـ المخترق الضخم للذخائر خلال الساعات الـ 96 الأولى فقط، وهي أضخم القنابل التقليدية في الترسانة الأميركية التي تُحمل حصراً بواسطة مفجرات “بي 2 سبيرت”؛ وبكلفة تصل إلى مليون دولار للقنبلة الواحدة، استنزفت هذه الضربات قرابة ربع المخزون المتاح.

 

وبالتوازي مع ذلك، شهدت الأيام الأولى استهلاكاً وصفه التقرير بـ “الانتحاري” للقنابل ذات القطر الصغير “جي بي يو- 139″التي استُخدمت بكثافة لضرب منصات الإطلاق المتنقلة، مما هدد الحصص المخصصة لمسارح عمليات عالمية أخرى. كما استمرت وتيرة استخدام قنابل “زلزال الأرض” من طراز “بي إل يو-109″ الخارقة للتحصينات بوزن 2000 رطل دون هوادة طوال فترة الـ 16 يوماً، لتصل تكلفة هذه الفئة من الذخائر الموجهة إلى مليارات الدولارات.

وختمت الصحيفة حديثها بالقول: تكشف الحرب على إيران هشاشة التفوق العسكري الأميركي-الإسرائيلي، حال واجهه قدرات نارية تشبه التي تملكها إيران على الصعيدين الهجومي والدفاعي من الصواريخ والمسيّرات. ورغم القدرات التكنولوجية الضخمة، فإن الولايات المتحدة و”إسرائيل” وجدا نفسيهما أمام أزمة استنزاف غير مسبوقة للذخائر والطائرات عالية القيمة.

 

*المصدر: 26 سبتمبر

التعليقات مغلقة.