موانع التغيير الديمقراطي بعد الربيع العربي

حين عبرت الجماهير العربية قبل ثلاثة اعوام عن عزمها على خوض المعركة الديمقراطية بثورات سلمية عارمة، تجاهل اغلبها معوقات التحول الديمقراطي في العالم العربي، وهي معوقات ليست جديدة، بل عميقة الجذور. هذا لا يعني ان تلك الجماهير أخطأت بتحركها الثوري، فالتحرك لتطوير الاوضاع واقامة انظمة عصرية مطلوب دائما، وهذا التطوير لا يمكن تحقيقه بالأساليب السياسية التقليدية، لان الاستبداد لا يصنع الديمقراطية. وبالإضافة للمعوقات التي سيتعرض لها المقال لاحقا، اصبح الآن واضحا ان الثورات ابتليت بتناقضات داخلية تمثلت بالصراع بين رواد الثورة ونشطاء السياسة. فلكل من هذين القطاعين مواقفه وأساليبه التي سرعان ما ظهر تعارضها لتوفر للأنظمة نقاط قوة في مواجهة قوى الثورة، ولتمنع التغيير الكامل الذي تحققه الثورات عادة. فما حدث في اوكرانيا مؤخرا يكشف دور وضوح الرؤية وتوحد قيادات الثورة في توجيه مشروع التغيير بدون صراعات او تنازلات.

فكان سقوط اقل من مائة من القتلى في العاصمة كييف كافيا لإسقاط الحكم الذي كان مدعوما من موسكو. صحيح ان ذلك التحرك كان مدعوما من الغرب، خصوصا الولايات المتحدة التي كانت تسعى لتضييق الخناق على روسيا وتقليص نفوذها الاقليمي، وتنتقم منها بسب بموقفها ازاء الوضع السوري، الا ان زخم الحراك كان له الدور الاكبر في فرض التغيير. بينما ضحت الثورات العربية بمئات الشهداء بدون ان تحقق التغيير المنشود. وسيسجل التاريخ ان ما حدث للربيع العربي كان من اكبر انجازات قوى الثورة المضادة وانظمة الاستبداد العربية.

ففي الخمسينات والستينات، فشلت القوى الرجعية في احتواء الظاهرة القومية التي ترعرعت في حقبة التحرر الوطني ومواجهة الاستعمار، وعم العالم العربي شعور غير مسبوق بعشق الحرية والبحث عن الوحدة، برغم ما اعترى قيادة جمال عبد الناصر من قصور مصحوب بالاستبداد والزعامة الفردية. ولذلك جاءت ثورات الربيع العربي بلسما لجروح الجيل القديم الذي بدأ يرحل عن الدنيا مهموما مغموما، حاملا معه الى القبر شعورا بخيبة الامل وتحطم الاحلام على صخور الاستعمار والامبريالية وعملائهما المحليين. وبعد ثلاثة اعوام ما يزال الحلم بالحرية والديمقراطية سرابا يهدد رواد الثورات بمصير لا يختلف عما حدث لآبائهم.

 وبلغ الامر ان يتجرأ عسكر مصر ليس على الانقلاب ضد الشرعية فحسب، بل اصدار حكم الاعدام بحق اكثر من 500 شخص. فما السبب؟ وما هي معوقات التغيير الديمقراطي في منطقة تئن تحت وطأة الاستبداد منذ عقود؟ وما طبيعة القوى التي تعمل في الخفاء لاحتواء ظاهرة التغيير وافراغها من محتواها بإعادة تدوير عناصر الحكم في مراكز القرار بدون ان يكون هناك تغيير جذري. انطلق الثوار في طريق التغيير، غير مبالين بما يقدمونه من تضحيات طالما استقر اتجاه البوصلة نحو التغيير الشامل.

 غير ان دخول المجموعات السياسية على الخط وضع فرامل كابحة على عجلات الثورة، فتباطأت تدريجيا حتى وصلت الى ما هي عليه اليوم. فمن حيث المبدأ لا يلتفت الثوريون للاعتبارات السياسية كثيرا، بعد ان ادركوا ان تلك الاعتبارات ساهمت في السابق في منع التغيير وتثبيت حكم الطغاة. بينما ادى دخول العناصر السياسية الى اعادة توجيه الثورات على الطريق السياسي، فاصبح هدف الثورات في نظرهم تقوية الموقف المفاوض وامتلاك اكبر قدر من اوراق الضغط والسعي لطمأنة القوى الكبرى التي تحصي على الثوار حركاتهم وسكناتهم وتسعى لمنع ما تعتبره ‘عنفا في الاطار الثوري.
 حتى اصبحت محاولات تهذيب الثورات اقوى من تحريك الشارع على طريق اسقاط الانظمة واحداث تغيير جوهري فيها.
فكان هناك صراع بين عقليتين: ما يطرحه شباب الثورة في تونس ومصر والمنامة وصنعاء وسواها، وما يسعى السياسيون من احزاب وجمعيات لتحقيقه ضمن منطق الممكن والواقعية وبالاعتدال. وبدلا من محاولات جذب مواقف الجماهير، كان السباق يهدف اللى طمأنة القوى الكبرى بـتواضع المطالب واعتدال المعارضات، الامر الذي احدث تناقضات في السياسات والمواقف بين القوى التي ثارت من اجل التغيير الشامل، والقوى السياسية التي روضت نفسها لتعيش ضمن الاطر السياسية المفروضة من الحكام المستبدين مدعومين بقوى الغرب. وستظل هذه المفارقات مهيمنة على الواقع السياسي للمعارضات العربية، خصوصا مع سعي الغربيين للحفاظ على الانظمة الحليفة لها في المنطقة، لاعتبارات كثيرة، من اهمها استمرار الهيمنة على منابع النفط واسعاره وحماية الكيان الاسرئيلي , والحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة لصالحهم. وقد كشفت ازمة سوريا عمق الصراع بين امريكا وروسيا على المنطقة وتداخل قيم الاصلاح السياسي مع المصالح الاقتصادية والسياسية للتحالف الغربي.

واذا كانت قوى التغيير قد ضربت بقوة هذه المرة فان الرغبة في التغيير لا يمكن ازالتها من نفوس الجماهير المتطلعة للاصلاح السياسي واقامة انظمة حكم عصرية. ولذلك فمن المتوقع استمرار المعاناة خصوصا في الاوساط الشعبية التي بدأت، بعد الانقلاب العسكري في مصر، تتحسس آلام التآمر ضدها من قبل الغربيين الذين طالما تحدثوا عن الديمقراطية وحقوق الانسان، ولكنهم تراجعوا عنها حين استدعت اوضاع المنطقة دعما حقيقيا لجهود الاصلاح. ما هي معوقات التغيير؟ هذا السؤال محوري للتعرف على موانع التحول نحو انظمة ديمقراطية عصرية في عالمنا العربي. من هذه المعوقات وفرة المال النفطي التي اتاحت لاعداء التغيير التأثير على مواقف الدول الغربية ذات الاهمية وسياساتها.

هذا التأثير يتحقق من خلال توقيع صفقات التسلح العملاقة، وآخرها صفقة "تايفون" بين بريطانيا والسعودية. فقبل شهر واحد توصلت شركة بي أيه إي سيستمز (BAE Systems) البريطانية إلى اتفاق مع الحكومة السعودية حول قيمة مقاتلات يوروفايتر تايفون. وكانت المفاوضات حول هذا الموضوع قد بدأت في العام 2005. ويتوقع ان تصل قيمة الصفقة الى قرابة عشرين مليار دولار، خصوصا انها ستشمل اتفاقات للتدريب والصيانة. وفي شهر تشرين الاول/اكتوبر الماضي أعلنت الهيئة المختصة بالمبيعات الخارجية للأسلحة الأمريكية في وزارة الدفاع عن عقود بقيمة تقارب 11 مليار دولار لصالح السعودية والإمارات تشمل صواريخ متنوعة وقذائف من أنواع قادرة على اختراق التحصينات. وقالت وكالة التعاون الدفاعي الأمريكي التابعة للوزارة إن العقد الأول مع الإمارات بقيمة أربعة مليارات دولار، ويشمل خمسة آلاف قنبلة من نوع GBU-39b الموجهة، إلى جانب أنظمة تسلح وتدريب أخرى وحاويات ومخازن وأنظمة دعم وقطع غيار. يضاف الى ذلك ان امريكا لم تتخذ يوما قرارا جادا بوقف الدعم العسكري او الامني او السياسي للانظمة غير الديمقراطية. ويتوقع ان تكون زيارة اوباما المزمعة للسعودية الشهر المقبل فرصة اخرى لطمأنة السعودية بعدم تغير السياسة الامريكية تجاهها، برغم ما حدث من تطورات اثبتت علاقات الحكم السعودي بمجموعات تمارس الارهاب في بلدان عديدة.
 كما تسعى لحث السعودية على بذل المزيد من الجهود لمد الجسور مع الكيان الاسرائيلي وتشكيل جبهة مضادة للقوى الثورية التي تتبنى التحرير واقامة الديمقراطية ومواجهة الهيمنة الغربية. وهكذا اصبح المال النفطي وسيلة اخرى لضرب المشروع الديمقراطي في الشرق الاوسط، وتكثيف الضغط على قوى التحرر الوطني. المعوق الثاني يتمثل بجبهة قوى الثورة المضادة التي تتزعمها السعودية، هذه الجبهة التي تضم دولا عربية وغربية، تتصدى للمشروع التغييري بقسوة، وتصر على ابقاء الوضع القائم وانظمة الحكم التي تهيمن على البلدان العربية. هذه القوى تصدت لثورة مصر واجهضتها وتعتقل الآن اكثر من عشرين ألفا من السجناء السياسيين اغلبهم من جماعة الاخوان المسلمين. وجاءت احكام الاعدام بحق مئات من اعضائها هذا الاسبوع لردع من تسول له نفسه بالمطالبة بالتغيير. هذه الجبهة متماسكة في تصديها لمشاريع التغيير، وتضم الكيان الصهيوني الذي اصبحت السعودية تتعامل معه امنيا وسياسيا لمواجهة مناوئيها السياسيين. وستواصل قوى الثورة المضادة عملها ضمن مشروع تصفية المعارضات الهادفة للتغيير الجذري في المنطقة، واتهامها بالارهاب.

 لقد تحول العالم العربي في العامين الاخيرين الى حقل للمؤامرات والصفقات العسكرية والامنية للاجهاز على اي انجاز سياسي حققته الثورات، واستهداف ما تبقى منها. هذه الجبهة استخدمت العنف والارهاب بالاضافة لسلاح الطائفية لتشطير المجتمعات العربية بهدف اشغالها عن مهمة التغيير. ولذلك فما لم تستوعب قوى التغيير ومفكرو الامة وعلماؤها هذه الحقيقة فلن يكون بالامكان مواجهة هذه القوى التي تخوض، من وجهة نظرها، معركة البقاء. والواضح ان هذه الحقيقة لم تستوعب من قبل قيادات الحراك الشعبي والديني، بل انها ما تزال تعتقد ان سياسة مسايرة هذه القوى ستساهم في تخفيف غلوائها ضد حركات التغيير. بل ان بعض الزعامات استدرج لمشروع هذه القوى خصوصا في الدائرة الطائفية. اما ثالث المعوقات فيتمثل بالصراع العربي الاسرائيلي الذي استخدمته انظمة القمع والاستبداد العربية، منذ اكثر من ستين عاما، ذريعة لرفض الاصلاح والتشبث بالديكتاتورية والقبضة الحديدية، وتحت ذريعة احالة الحرب بسط العسكريون سلطتهم على شؤون الدولة، واصبحت البلدان تحكم بعقلية عسكرية استئصالية، الامر الذي عمق شعور الجماهير بصعوبة التغيير. وثمة تفاهم غير معلن بين قوات الاحتلال الصهيونية وانظمة الاستبداد العربية بالتعايش ضمن حالة اللا حرب واللاسلم اطول فترة ممكنة، ورفض التحول الديمقراطي الذي قد يأتي بقوى منتخبة اكثر وطنية واقل اعتمادا على الغرب، واقدر على انتزاع الشرعية من خلال صناديق الاقتراع، وليس من قوة السلاح والقمع. وتقوم الدبلوماسية الغربية، خصوصا البريطانية والامريكية على مبدأ الحفاظ على التفوق العسكري الاسرائيلي، وهذا يتطلب انظمة تحكم العالم العربي بالاعتماد على دعم الغربيين انفسهم في مقابل صمتهم ازاء الاحتلال الاسرائيلي. ولذلك تعمد قوى الثورة المضادة لاستهداف قوى المقاومة، الفلسطينية واللبنانية. وقد اتضح ذلك خلال حربي 2006 و2008، حيث وقفت السعودية بحزم ضدها وسخرت اعلامها ورجال الدين لديها لاضفاء صبغة دينية على تحريم المقاومة او تصعيد الصراع مع الاحتلال. ولذلك فطالما بقيت اسرائيل تحتل فلسطين، فسيظل التحالف العربي ذ الغربي ضد قوى التحرر مستمرا، ولن يسمح بقيام انظمة ديمقراطية تعتمد على صناديق الاقتراع لتحديد السياسات والمواقف.
 ومن معوقات التغيير الديمقراطي تلاشي طبقة النخبة التي كانت تحمل مشعل التغيير سابقا، وتصر على مواجهة الاستبداد والطغيان بما اوتيت الشعوب من امكانات، مهما كانت متواضعة. ومنذ منتصف السبعينات عندما نشبت الحرب الاهلية اللبنانية ضعفت مكانة لبنان وعاصمتها بيروت كمركز للوعي والاعلام والنزعة التحررية، وانتقل مركز الثقل الاعلامي الى لندن بتأسيس السعودية اكبر امبراطورية اعلامية عربية، مستفيدة من الطفرة النفطية التي اعقبت الحرب مع ‘اسرائيل في 1973. هذه المعوقات مجتمعة ستظل مانعا من قيام منظومة سياسية عادلة وديمقراطية، خصوصا مع اشغال قوى التحرر بحرب ضروس مع مجموعات الارهاب والاستئصال. ولكي تستعيد قوى الثورة حيويتها مطلوب منها هجوم ثقافي وسياسي مضاد لمنع اختلاط الاوراق وتداخل الاهداف وتشوش الاذهان. انها مهمة تتطلب اعادة بناء نخب شجاعة لا تتساقط بسهولة امام اغراءات المال والمنصب والحظ السياسي. انها عملية شاقة، ولكنها ليست مستحيلة اذا بقيت روح الثورة متقدة في النفوس، واستعادت الطبقات القيادية وعيها وتماسكها، واسقطت المال النفطي والطائفية والارهاب كأسلحة من ايدي المستبدين.

 كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن