ليست مشكلتنا اليوم في قلة القضايا، ولا في غياب الوضوح، بل في مَن نصّبوا أنفسَهم أوصياء على وعي الناس، يوزّعون الاهتمام كما تُوزّع الأوامر، ويحدّدون لك ما يجب أن تغضب له.. وما يجب أن تصمُت عنه.

هكذا قال السيد القائد -حفظه الله- لحثالة النفاق والخيانة في هذه الأُمَّــة: (تحديد ما يعنينا وما لا يعنينا، ليس حقًّا لحثالة النفاق والخيانة في هذه الأُمَّــة)، وهي رسالة لأُولئك الذين باعوا مواقفهم في أول اختبار، ثم عادوا بوجوهٍ باردة ليعطوا دروسًا في “العقلانية” و”الحكمة”.

هؤلاء لا يمثّلون إلا أنفسهم، ولا يملكون شرعيةً أخلاقية؛ ليختصروا وعي أُمَّـة كاملة في مقاييسهم الملوّثة.

كيف لمن تواطأ، أَو صمت، أَو برّر، أن يحدّد للناس أين يقفون؟

وكيف لمن اعتاد الانحناء أن يتحدث عن الكرامة؟

 

القضية أبسط وأعمق في آنٍ واحد:

الأمة لا تُقاد بمن باع ضميره، ولا تُعلَّم دروس الشرف ممن فقده.

ما يعنينا.. نحدّده نحن، ببُوصلةٍ لا تنحرف، بالحق، والكرامة، والعدل، لا بمنشورات مأجورة، ولا بتحليلات مسيّسة، ولا بأصوات ارتضت أن تكون صدى لغيرها.

وما لا يعنينا.. هو كُـلّ خطابٍ يحاول تخديرنا، وكل محاولة لإعادة تعريف البديهيات، وكل صوتٍ يريد أن يقنعنا أن الصمت حكمة، وأن التنازل واقعية.

هذه الأُمَّــة، رغم كُـلّ ما مرّ بها، لا تزال تعرف الحق حين تراه، لكن المعركة اليوم ليست في معرفته.. بل في الثبات عليه خلفَ قيادةٍ ربانية تهتم بقضايا الدين والأمة، فدعوا الأقنعة تتحدث كما تشاء، ودعوا المبرّرات تُصاغ كيفما أُريد لها، فالحقيقة لا تحتاج إذنًا من أحد، ولا تنتظر توقيع الخائنين.

نحن نعرف ما يعنينا.. ولن ننتظر من باع نفسَه ليخبرَنا.