هندسة التفكيك الممنهج: كيف حوّلت المبادرة الخليجية السيادة اليمنية إلى ملحق أمني في غرف عمليات سفراء الدول العشر؟

صنعاء سيتي | تقرير خاص

 

مثّل تاريخ 3 أبريل 2011 البداية الفعلية لعملية “تجريد” الفعل الثوري اليمني من محتواه السيادي، حين أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي، مدفوعةً بمخاوف انتقال عدوى الديمقراطية إلى جوارها، عن “مشروع المبادرة” الذي صُمم ليكون جسراً لإنقاذ بنية النظام القديم من الانهيار الكلي. لم تكن هذه المبادرة مجرد وسيط سياسي، بل كانت أداة “احتواء” استراتيجية استهدفت تحويل الصراع من مواجهة بين “شعب ونظام” إلى “نزاع بين أطراف سياسية” (السلطة والمعارضة)، وهو ما شرعن لاحقاً تدويل القضية اليمنية ووضعها تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إن التوقيع النهائي الذي جرى في الرياض يوم 23 نوفمبر 2011، لم يكن سوى بروتوكول لتثبيت الوصاية، حيث نقل مرجعية القرار من الدستور اليمني إلى “الآلية التنفيذية المزمنة” التي صاغتها المطابخ الدبلوماسية الدولية، محولةً اليمن إلى ساحة اختبار لنماذج “الانتقال المحمي” التي تضمن بقاء المصالح الإقليمية فوق الإرادة الوطنية.

لقد أدت هذه المرحلة إلى نشوء شرعية “توافقية” هشة، استُمدت من الدعم الخارجي لا من الصندوق الانتخابي الحقيقي، حيث شهدت انتخابات 21 فبراير 2012 المرشح الوحيد “عبد ربه منصور هادي” كإجراء شكلي لتشريع الوصاية. هذه الفترة شهدت ذوبان المؤسسات الدستورية لصالح ما عُرف بـ “لجنة السفراء العشرة”، الذين تحولوا إلى “مجلس وصاية” فعلي يدير شؤون البلاد، هذا التحول الدراماتيكي لم يؤدِ فقط إلى شلل القرار الوطني، بل شرعن التدخل العسكري والأمني الأجنبي في مفاصل الدولة، مما مهد الطريق لعملية “تفكيك ممنهج” للقدرات الدفاعية والاقتصادية لليمن، وهو ما قاد بالضرورة إلى انسداد الأفق السياسي وانهيار الدولة الشامل في سبتمبر 2014، كنتيجة حتمية لفرض حلول “معلبة” لا تتوافق مع الجغرافيا السياسية أو التطلعات السيادية للشعب اليمني.

قانون الحصانة: “شرعنة” الإفلات من العقاب

يُعد “قانون الحصانة” (القانون رقم 1 لعام 2012) الذي أقره مجلس النواب في 21 يناير تنفيذاً لبنود المبادرة، الركن الأساسي في عملية تقويض العدالة الانتقالية وبناء دولة القانون. هذا القانون لم يمنح الهالك عفاش ومعاونيه أماناً شخصياً فحسب، بل عطّل المادة (51) من الدستور اليمني التي تكفل حق المواطنين في الانتصاف القضائي، مما خلق فجوة حقوقية عميقة أدت إلى استمرار نفوذ النظام القديم داخل أجهزة الدولة تحت حماية “الحصانة القانونية الدولية”. تاريخياً، تُذكرنا هذه التسوية بـ “اتفاقية الطائف” في لبنان أو “مصالحة 1970” في اليمن، حيث جرى دمج القوى المتصارعة في جسد الدولة دون مراجعة أو محاسبة، مما أدى إلى نشوء “سلطة موازية” تمتلك المال والسلاح، وتستخدم الحصانة كدرع لعرقلة أي إصلاحات وطنية حقيقية قد تمس مصالح النخب المرتهنة للخارج.

من الناحية التوثيقية، أدى هذا البند إلى تقسيم الحكومة (حكومة الوفاق برئاسة محمد سالم باسندوة) بنسبة (50/50) بين “المؤتمر الشعبي العام” وحلفائه، و”اللقاء المشترك” وشركائه، وهو ما شرعن “المحاصصة الوظيفية” في كافة مفاصل الدولة. هذه المحاصصة لم تكن إدارية فقط، بل امتدت لتشمل المناصب العليا في الوزارات ومؤسسات الدولة السيادية، مما أدى إلى شلل تنفيذي تام نتيجة “الفيتو المتبادل” بين طرفي المحاصصة، وبدلاً من أن تكون الدولة أداة لخدمة الشعب، تحولت إلى “غنيمة حزبية” محمية بالحصانة، حيث وجد الوزراء أنفسهم عاجزين عن تطهير مؤسساتهم من مراكز القوى الفاسدة، لأن أي محاولة للإصلاح كانت تُجابه بتهمة “عرقلة المبادرة الخليجية” التي يحميها مجلس الأمن عبر لجنة العقوبات المنبثقة عن القرار 2140، مما جعل من الفساد المحمي بالحصانة جزءاً أصيلًا من بنية “اليمن الانتقالي”.

مثّلت الحصانة “صك براءة” غير شرعي من وجهة نظر القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ما أضعف هيبة القضاء اليمني وجعله يبدو تابعاً للتوافقات السياسية. أدى هذا الوضع إلى فقدان الثقة الشعبية في مسار “التحول السلمي”، حيث رأى الضحايا في ساحات التغيير أن دماءهم جرى مقايضتها باستقرار زائف يضمن بقاء قادة الأجهزة الأمنية المتورطين في الانتهاكات في مناصبهم. هذا التفخيخ المتعمد للمسار العدلي لم يكن خطأً تقنياً، بل كان قراراً سياسياً دولياً لضمان عدم ملاحقة الحلفاء التقليديين للرياض وواشنطن، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لبروز قوى راديكالية وجدت في “فشل التسوية” ذريعة لإسقاط الدولة بالكامل، معتبرة أن المبادرة الخليجية لم تكن سوى مؤامرة “لقوننة الاستبداد” وإعادة إنتاجه بوجوه جديدة.

 “سيادة السفراء” واستلاب الاستقلال السياسي

شهدت الفترة من 2011 إلى 2014 ذروة الارتهان السياسي لليمن، حيث انتقل مركز الثقل في اتخاذ القرار من “دار الرئاسة” في صنعاء إلى “غرفة عمليات السفراء العشرة” (G10)، وعلى رأسهم السفير الأمريكي (جيرالد فايرستاين) والسفير السعودي. هذه المجموعة تحولت إلى “سلطة وصاية جماعية” تمتلك صلاحية التدخل في صياغة القرارات الجمهورية والتعيينات العسكرية والمدنية، وحتى في تفاصيل جداول أعمال “مؤتمر الحوار الوطني”. الوثائق والوقائع تؤكد أن الرئيس الانتقالي هادي لم يكن يصدر قراراً سيادياً حساساً إلا بعد الحصول على “موافقة مسبقة” من السفراء، مما حوّل السيادة الوطنية إلى مجرد لافتة بروتوكولية، بينما كانت السياسات الفعلية تُصاغ في أروقة السفارات التي كانت تقرر متى تبدأ الانتخابات وكيف تُوزع المقاعد في اللجنة الفنية للحوار.

كّرست المبادرة الخليجية عبر آليتها التنفيذية دور “سفراء الدول العشر” كحكام فعليين لليمن، حيث تجاوز نفوذهم حدود التمثيل الدبلوماسي ليصبحوا المرجعية العليا في تفسير النصوص وفض النزاعات السياسية. هذا الارتهان للقرار الخارجي شرعن التدخل الأمني السافر، حيث فُتحت الأجواء اليمنية للطائرات المسيرة الأمريكية (الدرونز) بشكل غير مسبوق، وأصبح التنسيق الأمني مع الاستخبارات الأجنبية يتم بمعزل عن الرقابة الوطنية أو البرلمانية. لقد أصبحت اليمن في هذه المرحلة “دولة وظيفية” مهمتها تأمين المصالح الاستراتيجية للإقليم والقوى الكبرى، وهو ما ظهر جلياً في ملف “مكافحة الإرهاب” الذي استُخدم كغطاء لتثبيت الوصاية العسكرية والأمنية على الموانئ والمطارات والمنافذ السيادية اليمنية.

التداعيات السيادية لهذه المرحلة تمثلت في غياب أي رؤية وطنية مستقلة للعلاقات الخارجية، حيث أُجبرت اليمن على الانخراط في “محاور” إقليمية تخدم السعودية مقابل وعود بالدعم المالي (منح المانحين) التي كانت تُستخدم كأداة “ابتزاز سياسي”. وبدلاً من أن تكون اليمن فاعلاً إقليمياً مستقلاً، تحولت إلى “محمية أمنية” خاضعة لإملاءات الرياض، التي استغلت المبادرة لإعادة تفعيل نفوذ “اللجنة الخاصة” وتوسيع نطاق مرتباتها ليشمل القوى السياسية الناشئة. هذا الارتهان الجماعي للنخبة اليمنية جعل من الصعب إنتاج “قرار وطني” يدافع عن المصالح العليا لليمن في البحر الأحمر أو في ترسيم الحدود، مما أدى إلى تأكل “الشخصية الدولية” لليمن وحصرها في نطاق “الملف الأمني” الذي يُناقش في مجلس الأمن كحالة إنسانية وعسكرية مستباحة.

“تفكيك الدفاع” وهيكلة الجيش برؤية أجنبية

تحت غطاء المادة (12) من الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية، نُفذت أخطر عملية لتفكيك المؤسسة العسكرية اليمنية تحت عنوان “الهيكلة”. القرارات الرئاسية (104) و(140) لعام 2012، التي قضت بتوزيع ألوية “الحرس الجمهوري” و”الفرقة الأولى مدرع”، لم تكن تهدف لبناء جيش مهني، بل كانت تهدف لـ “تفتيت مراكز القوة” التي قد تشكل تهديداً للهيمنة الخارجية. الشواهد التوثيقية تؤكد أن الخبراء العسكريين الأمريكيين والأردنيين والخليجيين الذين أشرفوا على الهيكلة، ركزوا على “إلغاء الوحدات النوعية” وتدمير العقيدة القتالية الوطنية، مستبدلين إياها بـ “عقيدة أمنية” تقتصر وظيفتها على حماية الشخصيات ومكافحة الشغب والعمليات الاستخباراتية المشتركة، مما جرد اليمن من قدرته على الدفاع عن حدوده وسيادته الوطنية أمام أي عدوان خارجي.

الواقعة الأكثر فجاجة في تاريخ السيادة اليمنية تجلت في تدمير منظومات “الدفاع الجوي” (صواريخ سام) تحت إشراف “مكتب التعاون العسكري الأمريكي” (OMC) وبتمويل خليجي، في مشهد يمثل ذروة التفريط بالسيادة الوطنية. المبرر الدولي الذي سُوّق حينها كان “منع وصول هذه الأسلحة إلى جماعات غير منضبطة”، ولكن الواقع التاريخي يثبت أن العملية كانت تهدف لـ “نزع مخالب” الجيش اليمني وجعله مكشوفاً تماماً أمام أي تدخل جوي خارجي، وهو ما حدث بالفعل لاحقاً. لقد أدت الهيكلة إلى تحويل الجيش من مؤسسة سيادية إلى “وحدات مشتتة” تفتقر للقيادة المركزية وللغطاء الجوي الدفاعي، مما جعل من السهل استباحة الأجواء اليمنية من قبل الطائرات المسيرة التي كانت تقتل اليمنيين بتنسيق مباشر مع “غرف العمليات” التي يديرها أجانب في قلب صنعاء.

علاوة على ذلك، أدت “المحاصصة العسكرية” التي فرضتها المبادرة إلى توزيع المناصب القيادية بناءً على الولاءات الحزبية والقبلية وليس الكفاءة القتالية، مما أدى إلى تحلل الانضباط العسكري. الشواهد التاريخية تشير إلى أن الهيكلة أفرزت “جيشاً كرتونياً” يمتلك الأسلحة ولكنه يفتقر للإرادة القتالية، لأن الجندي اليمني شعر بأن كرامته العسكرية جرى مقايضتها في صفقات سياسية خارجية. هذا “التفكيك الممنهج” لم يكن خطأً استراتيجياً فحسب، بل كان قراراً مدروساً لإضعاف المركز الدفاعي لليمن وجعله محتاجاً على الدوام لـ “المظلة الأمنية الخارجية”، وهو ما مهد الطريق لانهيار الوحدات العسكرية في 2014 وشرعن التدخلات العسكرية الأجنبية المباشرة التي تلت تلك الحقبة، بعد أن جُردت الدولة من أدوات ردعها السيادية.

رابعاً: “ارتهان الرغيف” وتجريف الاستقلال الاقتصادي

ربطت المبادرة الخليجية استقرار اليمن اقتصادياً بمدى التزامه بالمسار السياسي المرسوم، مما حول الاقتصاد الوطني إلى “رهينة” لمنح المانحين (أصدقاء اليمن) وروشتات المؤسسات الدولية. البيانات المالية التوثيقية تؤكد أن اليمن خلال فترة حكومة الوفاق اعتمد كلياً على “الودائع والمنح الخليجية” (مثل الوديعة السعودية بملياري دولار)، وهو ما منح الرياض “حق الفيتو” على القرار المعيشي لليمنيين. لم تهدف هذه المساعدات لتنمية القطاعات الإنتاجية أو تطوير الموانئ، بل كانت “مسكنات مالية” تُصرف مقابل تقديم تنازلات سيادية في ملفات النفط والغاز والممرات المائية، مما حول اليمن من دولة منتجة محتملة إلى “دولة ريعية” تتلقى المساعدات مقابل الصمت عن انتهاك سيادتها.

من الناحية الهيكلية، فرضت المبادرة الخليجية نموذج “المحاصصة الإدارية” الذي أدى إلى تضخم الجهاز الوظيفي بنسبة 20% نتيجة التوظيف الحزبي المفرط لضمان الولاءات، مما استنزف الميزانية العامة للدولة. وبدلاً من استقلال القرار الاقتصادي، أصبحت “الجرعات السعرية” القاسية (مثل جرعة يوليو 2014 التي رفعت أسعار الوقود بنسبة 60% إلى 90%) تُفرض بضغط من صندوق النقد الدولي وتحت مظلة المبادرة، مما أدى إلى سحق الطبقة الوسطى وتفشي الفقر. هذه القرارات لم تكن اقتصادية محضة، بل كانت “ألغاماً اجتماعية” فجرت الدولة من الداخل، حيث استُخدمت “حاجة المواطن” كأداة لترويضه سياسياً، مما جعل السيادة الاقتصادية اليمنية مجرد وهمٍ أمام سطوة الملحقين الاقتصاديين للسفارات الأجنبية.

التداعيات السيادية لهذا الارتهان تجلت في تعطيل المشاريع الاستراتيجية كميناء عدن ومنطقة التجارة الحرة، لضمان عدم منافسة الموانئ الإقليمية، وبقاء ملف “الغاز الطبيعي المسال” وتعديل أسعاره المجحفة مع الشركات الدولية (توتال وكوجاز) معلقاً بضغوط دولية. لقد أدت المبادرة إلى تجريف “الأمن القومي الاقتصادي”، حيث أصبحت الموارد السيادية خاضعة للتقاسم بين مراكز النفوذ الجديدة والقديمة برعاية خارجية، مما حال دون بناء اقتصاد وطني مستقل. هذا الانهيار لم يكن صدفة، بل كان نتيجة طبيعية لاتفاقية لم تضع في حسبانها استقلال القرار المالي، بل ركزت على إبقاء اليمن في “حالة احتياج دائمة” للغذاء والوقود والمنح، لضمان بقاء قراره السياسي مرتهناً لعواصم المانحين التي تعتبر السيادة اليمنية خطراً على مصالحها الاستراتيجية.

مآلات التسوية المفخخة وحتمية الاسترداد السيادي

في المحصلة التاريخية، تظهر المبادرة الخليجية (2011 – 2014) كأكبر عملية “هدم ناعم” للسيادة الوطنية في تاريخ اليمن المعاصر، حيث نجحت في تحويل اليمن من “دولة ثورة” تنشد الاستقلال إلى “ساحة وصاية” تُدار عبر التوافقات الإقليمية. إن قوننة الإفلات من العقاب، وتدويل القرار السياسي عبر “لجنة العشرة”، وتفكيك المؤسسة العسكرية برؤية أجنبية، ورهن الاقتصاد بالمنح المشروطة، كانت كلها مقدمات ضرورية للانهيار الشامل الذي شهده اليمن لاحقاً. لقد أثبتت الوقائع أن المبادرة لم تهدف لحل الأزمة، بل لإدارة الانهيار بما يضمن بقاء اليمن ضعيفاً ومسكوناً بالأزمات البنيوية، مما جعل السيادة الوطنية هي الضحية الأولى لمرجعيات الرياض وواشنطن التي لم تجلب لليمن سوى التمزق والارتهان.

إن الدرس الذي تفرضه المعطيات التوثيقية لهذه المرحلة هو أن استعادة الدولة اليمنية لا يمكن أن تمر عبر “المبادرات المعلبة” التي تُصاغ في الخارج، بل عبر انتزاع القرار السيادي المستقل وتطهير المؤسسات من إرث الوصاية والارتهان. إن الفشل الذريع لمخرجات المبادرة الخليجية في حماية كيان الدولة، وحتمية انفجار المشهد في 2014، يمثلان إعلاناً تاريخياً عن سقوط “نماذج الاحتواء الإقليمي” وحاجة اليمن لمشروع وطني خالص يعتمد على السيادة المطلقة، والعدالة الانتقالية الحقيقية، والقرار العسكري المستقل. واليوم، يتضح أن الطريق الوحيد للخروج من دوامة التبعية يبدأ بالقطع مع كافة المرجعيات التي قامت على أنقاض السيادة، والتمسك بأن كرامة اليمن واستقلال قراره هما المرجعية الوحيدة والنهائية لأي حل سياسي قادم.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.