من الصمود إلى الإسناد: تحولات المشهد اليمني في خطاب القائد
صنعاء سيتي | مقالات | سند الصيادي
في مشهدٍ جديدٍ يعمِّقُ من خطوط ملامح الصراع في المنطقة، وقف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ليقدم قراءة استراتيجية متكاملة لواقع اليمن والمنطقة، من خلال خطابٍ تجاوز إحصاء الجرائم وَرصد الدمار، والسرد التقليدي للأحداث، إلى خرائط طريق تكشف خيوط المؤامرة الكبرى، وتأسيس رؤية عقائدية وسياسية واضحة.
استهل السيدُ القائدُ خطابَه بتفكيك مغلوطات المشهد، حَيثُ كشف النقاب عن الوجه الحقيقي للعدوان على اليمن، كجزء من مشروع إخضاع شامل يهدف إلى سلب الشعب اليمني قراره السيادي، ونهب ثرواته، وتطويعه لخدمة الأجندة الأمريكية والإسرائيلية.
هذا التأطير يضعُ الأمورَ في نصابها الصحيح؛ فالقضية اليمنية منذ اللحظة الأولى كانت جزءًا من معركة أكبر، معركة الأُمَّــة ضد الهيمنة والوصاية، وما تلا ذلك من تدمير ممنهج لمقوّمات الحياة في اليمن لم يكن سوى تجسيد لهذه الحقيقة.
قدّم السيد القائد أرقامًا وإحصاءاتٍ تحولت في مجملها إلى قائمة اتّهام موثقة بحق تحالف العدوان، وشهادات حية على وحشية استهدفت الإنسان اليمني في وجوده، رسمت صورة كاملة لحرب إبادة لم تستثنِ شيئًا، من دور العبادة إلى دور رعاية المكفوفين، من المدارس إلى المستشفيات، من نهب الثروات الطبيعية الوطنية إلى التراث الإنساني، لإخضاع الشعب اليمني وجعله “مرتهنًا خاضعًا بائسًا”، وفق تعبير السيد القائد، فالتعذيب بالموظفين وأسرهم عبر منع الرواتب لم يكن إلا تفصيلًا من تفاصيل هذه الجريمة الكبرى.
وفيما تطرق إلى الحرب الخفية التي استهدفت النسيج الاجتماعي، و”محاولات إفساد الذمم وشراء الولاءات واختراق الجبهة الداخلية”، من خلال “الخلايا المشتركة بين السعوديّة وبريطانيا”، كشف السيد القائد وقدم رؤية حاسمة في التعامل مع هؤلاء: “من يبيع ولاءه وموقفه ويخون شعبه ودينه وأمته، فهو أرخص من ذلك الحذاء الذي يشتريه السعوديّ بالمال”، من وجهة نظري أن هذه الرؤية لا تترك مجالًا للتسويغ أَو التبرير، بل تضع خطًا فاصلًا بين الممانعة والرضوخ.
في قراءة جيوسياسية عميقة، فكّك السيد القائد بنية التحالفات التي تقف خلف العدوان على اليمن، فالقيادة الأمريكية هي المحرك الأَسَاسي، والسعوديّة هي الذراع الإقليمي المنفذ، وبريطانيا شريك أَسَاسي، وكَيان الاحتلال الصهيوني هو المستفيد الأكبر والظل الذي يتحَرّك خلف الجميع، هذه القراءة تحوّل الصراع من إطار إقليمي ضيق إلى إطار دولي-صهيوني واسع، هذا يضع اليمن في موقع المدافع عن نفسه وعن الأُمَّــة في مواجهة مشروع هيمنة عالمي.
أشار السيد القائد عن تحول استراتيجي في إدارة الصراع، حَيثُ تم “خفض التصعيد” مع تحالف العدوان للتركيز على الأولوية الكبرى: “التحَرّك ضد المخطّط الصهيوني الذي يستهدف أمتنا بكلها”، هذا التحول يعكس رؤية استراتيجية عالية المستوى، ترى أن الخطر الأكبر لا يأتي من الجوار القريب فقط، بل من المشروع الصهيوني الذي يسعى لـ”تغيير الشرق الأوسط” وإقامة “إسرائيل الكبرى”.
وفي معرض حديثه عن غزة، ونقطة التحول، حَيثُ دخل اليمن في “الإسناد المباشر” للشعب الفلسطيني، يستغرب القائد استغراب العارفين، كيف أن “بعض الأنظمة في المنطقة تجاهر بالموقف السيئ إلى من يتصدى لهذا المخطّط الذي يستهدف هذه الأُمَّــة”!، ويتساءل عن “ما هي الفائدة لبعض الأنظمة حتى تتعاون مع عدو يستهدف حتى بلدانها؟”، وهو سؤال يملك القائد أجوبته، لكنه يضع الأنظمة المتواطئة أمام مسؤولياتها، ويكشف عن غياب الرؤية الاستراتيجية لدى من يظنون أن التعاون مع العدوّ الصهيوني قد يحميهم منه.
كان للسيد القائد وشعبه موقف واضح ومتجدد تجاه العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية: “الوفاء بالوفاء، فإيران كانت الدولة الوحيدة رسميًّا المتضامنة معنا ضد العدوان على بلدنا”، يمتد هذا الموقف إلى تقدير الصمود الإيراني، والثبات العظيم للشعب الإيراني وتماسكه وحضوره المُستمرّ في الساحات الذي خيب أمل الأعداء”، داعيًا إلى أن “يلتف الجميع حول الموقف الإيراني على كُـلّ المستويات وبكل أشكال الدعم”.
في كُـلّ محاور الخطاب، يعود السيد القائد إلى تأكيد الهُوية الإيمانية للشعب اليمني، مستشهدًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، هذه الهُوية ليست مُجَـرّد شعار، بل هي رأس المال الحقيقي الذي يجعل الشعب اليمني “يأبى الضيم والذلة والهوان”.
ومع كُـلّ هذا الدمار، ومع كُـلّ هذه المؤامرات، يظل السيد القائد واثقًا بالنصر، ك “ثمرة الصمود والثبات القائم على التوكل على الله والتمسك بالحق”، مختتمًا بدعوة للشعب اليمني للخروج المليوني، بها توج القائد اليمني خطاب جديد يضع اليمن في موقعه الطبيعي كحصن منيع للأُمَّـة، وشعبًا لا يرضخ للهيمنة ولا يباع بالمال، جعل من هُويته الإيمانية مصدر قوته وعنوان وجوده.
التعليقات مغلقة.