فاتورة الارتهان.. ووهم الحماية
صنعاء سيتي | مقالات | محسن الشامي
لم تكن اللغة التي يستخدمها ترامب ومن سبقه من الرؤساء يومًا دبلوماسية ناعمة، بل كانت أشبهَ بفواتير الحماية التي تفرضها القوى الكبرى على الضعفاء.
واليوم، لم يعد الحديثُ عن تبعية قادة الخليج لترامب مُجَـرّد تحليل سياسي عابر، بل صار كابوسًا وجوديًّا يهدّد الهُوية والدين والكَيان الاجتماعي لشعوب المنطقة، في مشهدٍ فاضح تتداخل فيه المصالح الضيقة مع ضياع المقدرات الوطنية.
إن الخطورة السياسية تبدأ من تحويل العلاقة من تحالف استراتيجي مبني على الندية إلى ارتهان مذل، يجعل القرار السيادي الخليجي مُجَـرّد ورقة ضغط في درج المكتب البيضاوي، حَيثُ تُدفع المنطقة نحو حروب بالوكالة تخدم الأجندة الصهيو-أمريكية، وتحوّل الدول الفاعلة إلى أدوات لتمويل الصراعات وتأجيج الأزمات الإقليمية، مقابل وعود واهية بالحماية لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي.
وقد كشفت أحداث اليوم زيف هذه الحماية الوهمية التي يتشدق بها ترامب؛ فها هي القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، من العُدَيْد إلى الأسطول الخامس، تقف عاجزة حتى عن حماية نفسها من الرشقات الصاروخية والمسيّرات، التي حوّلت دروع الحماية المفترضة إلى خريطة نار تستهدف العمق الخليجي، وتجعله في واجهة الصدام المباشر.
إن أمريكا ترامب لم تكتفِ باستنزاف الخزائن بصفقات سلاح خيالية، بل فتحت مِلَفَّ الحروب على مصراعَيه، جاعلةً من دول المنطقة كبشَ فداء في معركة ليست معركتها، مع إصرار فجٍّ على أن تتحمل هذه الدول وحدَها كاملَ التكاليف المادية والبشرية لجنون العظمة الذي يمارسه.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، يبدو عجزُ الزعماء عن كبح جماح ترامب أَو الخروج من عباءته أمرًا يثير الفزع؛ حَيثُ أَدَّى هذا الانقياد إلى تسييس الدين، وتسخير المساجد والمنابر والبرامج والدعاة لخدمة تحالفات هي في الأصل تبعية وتولٍّ باسم التطبيع.
لقد لعب الإعلام دورًا خطيرًا في تجريف الوعي العام لتكريس هذا الانقياد المذل وشرعنته، من خلال تصوير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها العدوُّ، وساعد على ذلك البُعد العقائدي المدسوس والإعلام المضلل، في مقابل صمتٍ مُخْزٍ عن قضايا الأُمَّــة الكبرى، وعلى رأسها القدس، وكأن المقدسات أصبحت أوراقًا للمقايضة في بورصة السياسة؛ مما خلق دينًا مفصَّلًا على مقاس الرضا الأمريكي، وزرع شرخًا عميقًا بين الشعوب ومؤسّساتها الدينية.
ولا يتوقف الأمرُ عند حدود السياسة والدين، بل يمتدُّ ليضربَ العمق الاجتماعي عبر عملية تجريف ممنهجة للهُوية؛ فالضغوط الخارجية لم تكتفِ بآبار النفط، بل سعت لفرض تغريب قسري، وانفتاح لا ينبع من حاجة المجتمعات الذاتية، بقدر ما هو استجابة لإملاءات تضمن بقاء الدعم السياسي؛ مما وضع المواطن الخليجي في حالة فصام بين أصالته وواقعه المفروض، وجعله يشعر بأن أمنه معلق بتغريدة من رئيس مهووس بالصفقات.
إن الاستمرار في نهج “الحماية مقابل التبعية” هو انتحار بطيء؛ فالتاريخ يثبت أن القوى الكبرى أول من يتخلى عن حلفائها حين تنتهي صلاحية المنفعة.
وما لم تُستعد الإرادَة المسلوبة بالعودة إلى الحضن الشعبي والعمق العربي والإسلامي، فإن الرهان على سراب الحماية الترامبية لن يخلّف وراءه سوى التبعية المطلقة والخراب الوشيك.
التعليقات مغلقة.