إيران.. معادلة الرعب الجديدة: حين يصبح قادة العدوّ هدفًا مباشرًا
صنعاء سيتي | مقالات | فهد شاكر أبوراس
في تحول استراتيجي بالغ الدلالة، تعيد إيران صياغة معادلات الصراع مع كَيان الاحتلال الصهيوني من خلال إعلان استخبارات الحرس الثوري عن استهداف عضو بارز في الكابينت الإسرائيلي في عمق الأراضي المحتلّة، وهذا الإعلان الذي يحمل في طياته تأكيدًا على إصابة الهدف مع إبقاء هُـويته طي الكتمان، يمثل نقطة تحول في العقيدة الدفاعية والأمنية الإيرانية، بحيث تنتقل طهران من استراتيجية الردع بالردع إلى استراتيجية الردع بالإنهاك والاختراق المباشر، ومن التهديد بالضربات الصاروخية البعيدة إلى التنفيذ الفعلي عبر قدرات بشرية واستخباراتية تعمل داخل العمق الإسرائيلي ذاته.
وهذا التحول يعكس قراءة جديدة في طهران مفادها أن التهديدات المباشرة والمتكرّرة لقيادة العدوّ لم تعد كافية لردعه، بل لا بد من ترجمتها إلى أفعال تخلق حالة من الرعب الوجودي داخل مؤسّسة الحكم الإسرائيلية وتعيد توزيع أوراق القوة في الصراع بين الجانبين.
ما يلفت في هذا الإعلان هو الطريقة التي تمت بها صياغته، فهو ليس مُجَـرّد خبر عاجل عن عملية عسكرية، بل هو بيان استراتيجي متكامل الأركان يحمل رسائل سياسية وأمنية بالغة الدقة، فاختيار الإعلان عن استهداف “عضو بارز في الكابينت” دون تحديد هُـويته هو في حَــدّ ذاته مناورة سياسية ذكية وحرب نفسية تهدف إلى خلق حالة من الشك والارتياب داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وهذه الحالة تؤدي إلى شلل جزئي في عملية اتِّخاذ القرار في تل أبيب، وتخلق شرخًا في الثقة بين القادة وأجهزة الأمن المكلفة بحمايتهم، في انتصارا استراتيجيًّا لإيران بكلفة منخفضة جِـدًّا مقارنة بحجم الضرر الذي تلحقه بالمنظومة السياسية والأمنية الإسرائيلية، كما أن هذا الغموض يضع كَيان الاحتلال أمام معضلة حقيقية، فإما أن تنفي بشكل قاطع ما حدث، مما قد يضطرها للكشف عن معلومات حساسة عن الوضع الصحي لأعضائها أَو عن ثغرات أمنية لديها، وإما أن تلتزم الصمت، مما سيفسر إقليميًّا ودوليًّا على أنه اعتراف ضمني بنجاح العملية الإيرانية.
وهذا التحول في الاستراتيجية الإيرانية يعكس أَيْـضًا تغيرًا في مفهوم الردع ذاته، فطهران لم تعد تسعى فقط لردع كَيان الاحتلال عن ضرب أهدافها النووية أَو اغتيال علمائها، بل تسعى إلى ردعه عن التفكير أصلًا في استهداف أي هدف إيراني، عبر خلق معادلة جديدة تقوم على أن أية ضربة إسرائيلية في طهران أَو في أي مدينة إيرانية ستقابل بضربة مماثلة في كَيان الاحتلال أَو في أي مكان يتواجد فيه قادة القرار الإسرائيلي، وهذه المعادلة إذَا ما ثبت نجاحها، ستعيد تعريف مفهوم الردع الإقليمي بشكل جذري، وتجعل كَيان الاحتلال يعيد حساباته قبل المغامرة بأي عمل عسكري ضد إيران، خَاصَّة أن طهران أظهرت قدرتها على تنفيذ عمليات نوعية في العمق الإسرائيلي وهذا يعني أن لدى طهران اليوم خيارات متعددة للرد تتجاوز الصواريخ الباليستية التي يمكن اعتراضها، إلى عمليات بشرية دقيقة يصعب اكتشافها وإفشالها.
تسعى إيران من خلال هذا الإعلان إلى إعادة تموضعها كقوة لا يمكن تجاوزها في معادلات الشرق الأوسط، خَاصَّة في ظل التقارير عن تحَرّكات عسكرية أمريكية مكثّـفة في المنطقة واحتمالات توجيه ضربة استباقية للمنشآت النووية الإيرانية، الرسالة الإيرانية هنا واضحة وهي أن أي تصعيد عسكري ضدها سيكون مكلفًا للغاية، وأنها قادرة على ضرب مصالح العدوّ في أي مكان وزمان، مما قد يدفع القوى الكبرى إلى ممارسة ضغوط على كَيان الاحتلال لضبط النفس وعدم المغامرة بحرب إقليمية مفتوحة، كما أن هذا الإعلان يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في منع التصعيد، حَيثُ إن استمرار سياسة الاغتيالات الإسرائيلية دون ردع سيقود حتمًا إلى مواجهة شاملة قد تجر المنطقة بأسرها إلى حرب لا يمكن السيطرة على تداعياتها.
في المحصلة العامة يمثل الإعلان الإيراني عن استهداف عضو بارز في الكابينت الإسرائيلي تحولًا استراتيجيًّا في السياسة الإيرانية، ينتقل بها من مرحلة الدفاع السلبي والردع غير المباشر إلى مرحلة الردع الإيجابي القائم على خلق توازن رعب حقيقي ومؤلم، ومن مرحلة التهديد بالرد إلى مرحلة إثبات القدرة على التنفيذ.
التعليقات مغلقة.