يوم القدس العالمي من نداء الخميني إلى جبهة المقاومة.. طريق استئصال الغدة السرطانية وزوال الكيان

صنعاء سيتي | تقرير خاص

في كل عام، ومع اقتراب الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، لا تحضر قضية القدس بوصفها حدثاً سياسياً عابراً، بل كقضية وجودية للأمة الإسلامية، تتجدد في الوعي والوجدان، وتتحول إلى محطة تعبئة شاملة في مواجهة المشروع الصهيوني وأدواته في المنطقة.
ويأتي يوم القدس العالمي هذا العام في ظرف تاريخي استثنائي، حيث تتقاطع التحولات الكبرى في المنطقة مع صمود المقاومة الفلسطينية، وتصاعد المواجهة مع المشروع الصهيوني الأمريكي، وتنامي حضور محور المقاومة من غزة إلى لبنان والعراق واليمن وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية في إيران.

في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، لم يعد يوم القدس مجرد مناسبة تضامنية، بل أصبح عنواناً لمعركة الوعي، وبوصلة استراتيجية تعيد للأمة إدراك طبيعة الصراع، وتؤكد أن تحرير القدس ليس حلماً بعيداً، بل مشروعاً تاريخياً يتقدم بثبات.

يوم القدس.. المبادرة التي أعادت تعريف الصراع

لم يكن إعلان الإمام روح الله الخميني – رضوان الله عليه – عام 1979 تخصيص الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوماً عالمياً للقدس مجرد خطوة رمزية، بل كان إعلاناً استراتيجياً لإعادة توجيه بوصلة الأمة الإسلامية نحو قضيتها المركزية.

فبعد عقود من محاولات طمس القضية الفلسطينية، وجرّها إلى مسارات التسويات السياسية والمفاوضات العقيمة، جاء يوم القدس ليعيد طرح القضية في إطارها الحقيقي: صراع وجود بين الأمة الإسلامية والمشروع الصهيوني الاستعماري.

وقد حمل هذا الإعلان دلالات عميقة، أبرزها:

  • تثبيت فلسطين كقضية مركزية للأمة الإسلامية.

  • تحويل القدس إلى رمز عالمي للمقاومة والحرية.

  • تعبئة الشعوب الإسلامية لمواجهة المشروع الصهيوني.

  • إسقاط محاولات عزل القضية الفلسطينية أو حصرها بالفلسطينيين وحدهم.

ومنذ ذلك الحين، تحولت الجمعة الأخيرة من رمضان إلى مناسبة أممية تتوحد فيها الشعوب الحرة في مواجهة الاحتلال الصهيوني، عبر المسيرات والفعاليات الشعبية التي تعلن رفضها لاغتصاب فلسطين.

رؤية قرآنية للصراع.. تشخيص الغدة السرطانية

ضمن هذا السياق، قدم شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه قراءة قرآنية عميقة لطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، مستلهماً توصيف الإمام الخميني للكيان الإسرائيلي بأنه غدة سرطانية زرعها الاستعمار في قلب الأمة الإسلامية.

هذا التوصيف لم يكن مجرد تعبير بلاغي، بل تشخيص دقيق لطبيعة المشروع الصهيوني، الذي يقوم على التوسع والهيمنة والعدوان المستمر.

ويؤكد شهيد القرآن أن هذا الكيان لا يمكن التعايش معه أو إقامة السلام معه، لأنه قائم على عقيدة توسعية تهدف إلى إقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، وهو ما تؤكده اليوم تصريحات قادة الاحتلال وحاخاماته ومخططاته المعلنة.

لقد أثبتت الوقائع خلال العقود الماضية صحة هذه الرؤية، حيث لم يتوقف المشروع الصهيوني عند احتلال فلسطين، بل سعى إلى بسط نفوذه السياسي والعسكري والاقتصادي على المنطقة بأكملها، مستنداً إلى دعم أمريكي وغربي غير محدود.

يوم القدس.. معركة الوعي في مواجهة التطبيع

في عالم تحاول فيه قوى الهيمنة تغيير الحقائق وتزييف الوعي، يبرز يوم القدس كأداة أساسية لكسر هذا التزييف.

فأحد أهم أهداف هذه المناسبة هو إبقاء القضية الفلسطينية حية في وجدان الأمة، ومنع طمسها أو تحويلها إلى قضية ثانوية.

وفي هذا السياق، يشكل يوم القدس مواجهة مباشرة لموجة التطبيع التي تسعى بعض الأنظمة العربية إلى فرضها على شعوبها، في محاولة لدمج الكيان الصهيوني في المنطقة ومنحه شرعية سياسية.

غير أن الوعي الشعبي المتصاعد في الأمة يؤكد أن التطبيع ليس سوى ارتداد عن الموقف الطبيعي للأمة وخيانة لقضيتها المركزية، كما أكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي.

السيد القائد: يوم القدس استنهاض للأمة في مواجهة المشروع الصهيوني

وفي كلمته بمناسبة يوم القدس العالمي، أكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن هذه المناسبة تمثل محطة مهمة لتذكير الأمة بمسؤوليتها الدينية والإنسانية تجاه القضية الفلسطينية.

وأوضح أن العدو الصهيوني لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يسعى إلى السيطرة على المنطقة بأكملها، ضمن مشروعه المعروف بإقامة “إسرائيل الكبرى”.

وأشار السيد القائد إلى أن اختيار الإمام الخميني للجمعة الأخيرة من رمضان لإحياء هذه المناسبة لم يكن اختياراً عفوياً، بل يحمل دلالات عميقة، إذ يأتي في شهر القرآن والتقوى، ليذكر الأمة بأن موقفها من القضية الفلسطينية هو جزء من التزاماتها الدينية والإيمانية.

وأكد أن الأحداث والوقائع عبر العقود الماضية أثبتت صدق موقف الجمهورية الإسلامية في إيران وأحرار الأمة في تبني القضية الفلسطينية والدفاع عنها، في مقابل انكشاف الأنظمة المتخاذلة التي حاولت التشكيك في هذا الموقف.

الثلاثي العدواني: أمريكا.. الصهيونية.. وأنظمة التبعية

إن فهم طبيعة الصراع في المنطقة لا يمكن أن يكتمل دون إدراك العلاقة العضوية بين المشروع الصهيوني والهيمنة الأمريكية.

فالولايات المتحدة، كما يؤكد شهيد القرآن، تمثل الحاضنة الأساسية للكيان الصهيوني، وتعمل على حمايته وتثبيت وجوده باعتباره قاعدة متقدمة للهيمنة الغربية في قلب العالم الإسلامي.

وقد تجلى هذا التحالف بوضوح في الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي اللامحدود الذي تقدمه واشنطن للكيان الصهيوني، وفي مشاركتها المباشرة في العدوان على شعوب المنطقة.

لكن أخطر ما في هذه المعادلة هو دور بعض الأنظمة العربية التي تحولت إلى أدوات لتنفيذ السياسات الأمريكية والصهيونية، عبر التطبيع والتنسيق الأمني والتخلي عن القضية الفلسطينية.

طوفان الأقصى.. بداية تحولات استراتيجية

يمر يوم القدس العالمي هذا العام في ظل تطورات استراتيجية كبرى في المنطقة، أبرزها تداعيات معركة طوفان الأقصى التي شكلت نقطة تحول في تاريخ الصراع.

فقد نجحت هذه المعركة في:

  • كسر أسطورة التفوق العسكري الصهيوني.

  • إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي.

  • كشف هشاشة الكيان الصهيوني أمام إرادة المقاومة.

كما أسهمت المواجهة الإقليمية التي أعقبتها في تعزيز موقع محور المقاومة، الذي بات يشكل جبهة متكاملة تمتد من فلسطين إلى لبنان والعراق واليمن وإيران.

اليمن في قلب معركة القدس

ضمن هذه المعادلة الجديدة، برز اليمن بقيادة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي كأحد أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية.

فمنذ اندلاع العدوان على غزة، أعلن اليمن موقفه الواضح في إسناد الشعب الفلسطيني، سواء عبر العمليات العسكرية أو المواقف السياسية والشعبية.

وقد تحولت المسيرات المليونية التي تشهدها المدن اليمنية في يوم القدس إلى رسالة قوية تؤكد أن فلسطين ما زالت حاضرة في وجدان الأمة، وأن الشعوب الحرة لن تسمح بتمرير مشروع تصفية القضية.

يوم القدس.. من المظاهرة إلى مشروع التحرير

إن القيمة الحقيقية ليوم القدس لا تكمن في كونه مناسبة سنوية فحسب، بل في كونه محطة تعبئة مستمرة تعزز وعي الأمة وتدفعها نحو العمل.

فهذا اليوم يذكر المسلمين بمسؤولياتهم في مواجهة المشروع الصهيوني عبر مختلف الوسائل:

  • دعم المقاومة الفلسطينية.

  • مقاطعة العدو اقتصادياً.

  • تعزيز الوعي بالقضية الفلسطينية.

  • بناء القوة في مختلف المجالات.

إنها معركة شاملة تتجاوز حدود الميدان العسكري، لتشمل الاقتصاد والإعلام والثقافة والوعي.

القدس.. وعد قرآني بالتحرير

في نهاية المطاف، يبقى الإيمان بوعد الله هو الركيزة الأساسية في معركة الأمة.

فالقرآن الكريم يؤكد أن الظلم والطغيان لا يمكن أن يدوم، وأن عاقبة الصراع ستكون لصالح الحق.

{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}.

إن هذه الآية الكريمة تمثل وعداً إلهياً بزوال الكيان الصهيوني، لكنها في الوقت ذاته تضع على عاتق الأمة مسؤولية النهوض والقيام بواجبها.

يوم القدس.. حين تنهض الأمة

هكذا يبقى يوم القدس العالمي أكثر من مجرد ذكرى أو مناسبة سنوية؛ إنه صرخة وعي في وجه الهيمنة، ونداء استنهاض للأمة الإسلامية.

ففي كل عام يتجدد هذا اليوم ليذكر المسلمين بأن القدس ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية أمة بأكملها، وأن المعركة من أجلها هي معركة كرامة وحرية ووجود.

ومع كل مسيرة تُرفع فيها رايات القدس، ومع كل صوت يهتف ضد الاحتلال، تقترب الأمة خطوة جديدة من اليوم الذي يتحقق فيه الوعد الإلهي، ويعود المسجد الأقصى حراً، وتندحر الغدة السرطانية التي زرعها الاستعمار في قلب المنطقة.

فالقدس ليست مجرد قضية.. إنها عهد الله

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.