يوم القدس العالمي من الوعي القرآني إلى معادلات المواجهة
صنعاء سيتي | مقالات | شاهر أحمد عمير
يحلّ يوم القدس العالمي في آخر جمعة من شهر رمضان، شهر القرآن الذي أنزله الله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ليكون هذا اليوم محطة وعي كبرى تعيد للأُمَّـة الإسلامية بوصلتها الحقيقية، وتربط بين الهداية القرآنية والواقع السياسي، وبين الإيمان والمسؤولية التاريخية.
لم يكن هذا اليوم مناسبة رمزية أَو فعالية موسمية، بل رؤية استراتيجية أطلقها الإمام روح الله الموسوي الخميني رحمه الله، انطلاقا من فهم عميق لطبيعة الصراع، وإدراك مبكر لحقيقة المشروع الصهيوني وأدواته الأمريكية.
لقد جاء يوم القدس العالمي ليكسر حالة التزييف التي سعت إلى اختزال القضية الفلسطينية في إطار ضيق، أَو تحويلها إلى ملف تفاوضي قابل للمساومة.
فالقضية، في جوهرها، قضية أُمَّـة، والعدوّ الذي يحتل فلسطين ليس خطرا على الفلسطينيين وحدهم، بل مشروعا عدوانيًّا يستهدف المنطقة بأكملها أرضا وإنسانا وهُوية.
ومن هنا، كان هذا اليوم موجها إلى الشعوب لا إلى الحكومات، بعدما أثبتت التجربة أن كَثيرًا من الأنظمة العربية والإسلامية اختارت الصمت أَو التواطؤ، فيما بقيت الشعوب هي الحاضنة الحقيقية للقضية.
ومع مرور السنوات، أثبتت الأحداث أن الرؤية المنطلقة من الوعي القرآني كانت الأكثر واقعية.
فقد تحولت المواجهة مع كَيان الاحتلال الصهيوني من مُجَـرّد خطاب سياسي أَو شعارات موسمية إلى فعل ميداني يفرض معادلات ردع حقيقية، أربكت حساباته العسكرية والأمنية، وأكّـدت أن هذا الكيان الغاصب، مهما امتلك من قوة، يبقى عاجزًا أمام إرادَة مقاومة واعية تعرف عدوها وتدرك كيف تواجهه.
ويمتد هذا المشهد المقاوم ليشمل أكثر من ساحة، في إطار معركة أوسع ضد الهيمنة الأمريكية التي لم تجلب للمنطقة سوى الحروب والخراب ونهب الثروات، وخلّفت وراءها الفوضى والانقسام.
فالاحتلال، مهما غيّر أدواته أَو عناوينه، يظل مرفوضا من الشعوب الحرة التي ترفض الخضوع وتتمسك بحقها في السيادة والكرامة.
وفي قلب هذه المواجهة الإقليمية المفتوحة، تتعرض الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم لضغوط وعدوان متصاعد، لم تكتفِ فيه أمريكا بالحروب الإعلامية أَو الحصار الاقتصادي الخانق، بل تطور إلى أشكال من المواجهة العسكرية والأمنية، بالتكامل مع كَيان الاحتلال الصهيوني.
إن ما تتعرض له إيران ليس نتيجة مشروع عدواني، بل ثمن موقفها الثابت في مناصرة القضية الفلسطينية، ودعم قوى المقاومة، ورفضها الخضوع لمعادلات الهيمنة.
لقد اختارت أن تكون في صف القدس، فدُفعت إلى مواجهة مفتوحة، في وقت خذلتها فيه أنظمة عربية، وتحالفت علنا أَو سرا مع العدوّ الأمريكي والإسرائيلي ضد دولة إسلامية كان ذنبها الوحيد أنها وقفت، حَيثُ يجب أن يقف الأحرار.
وفي المقابل، تكشف هذه المرحلة حجم الانحدار الذي وصل إليه النظام العربي الرسمي، حَيثُ تحولت بعض دول الخليج العربي إلى أدوات في المشروع الأمريكي الإسرائيلي، تقدم المال والدعم السياسي والإعلامي، وتشارك في حصار وتجويع الشعوب، بدل أن تكون في صف قضايا الأُمَّــة.
ولم يكن هذا التواطؤ موجها ضد فلسطين فحسب، بل ضد كُـلّ قوة رفضت الخضوع، من إيران إلى العراق ولبنان واليمن.
وتبقى فلسطين جوهر هذه المعركة ومحورها المركزي.
فما يجري اليوم من عدوان شامل، وتهجير قسري، وتدمير ممنهج، يؤكّـد أن الرهان على التسويات والاتّفاقيات لم يكن سوى وهم كبير، وأن الاعتراف بكَيان الاحتلال الصهيوني لم يجلب إلا مزيدًا من القتل والاستيطان.
لقد أثبتت التجربة أن هذا العدوّ لا يفهم إلا لغة القوة، وأن المقاومة، مهما كانت كلفتها، تبقى الخيار الوحيد القادر على كسر معادلة الظلم وفرض معادلة الحق.
ولا يمكن فصل كُـلّ ذلك عما يتعرض له اليمن، الذي يواجه حربا ظالمة وعدوانا مركبا، تشارك فيه أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني بشكل مباشر أَو غير مباشر، وبمساندة واضحة من بعض الدول العربية التي قادت تحالفا عسكريًّا ضد الشعب اليمني، بقيادة السعوديّة والإمارات، حَيثُ شُنّت حرب ظالمة استمرت تسع سنوات، ولا يزال الحصار المفروض على الشعب اليمني يدخل عامه الحادي عشر.
يُستهدف اليمن لأنه رفض الخضوع، ولأنه أعلن موقفا مبدئيًّا في نصرة قضايا الأُمَّــة، وفي مقدمتها فلسطين.
ومع ذلك، أثبت اليمنيون أن الحصار لا يكسر الإرادَة، وأن الشعوب الحرة قادرة على تحويل الألم إلى وعي، والمحنة إلى موقف.
في ظل هذا المشهد المتشابك، يتجدد معنى يوم القدس العالمي كمعيار حقيقي لفرز المواقف، لا كشعار موسمي عابر.
فمن يقف مع القدس اليوم يقف مع كرامة الأُمَّــة ومستقبلها، ومن يتخلى عنها إنما يساهم في إطالة عمر المشروع الصهيوني وترسيخ الهيمنة الأمريكية.
لقد أراد الإمام الخميني لهذا اليوم أن يكون يومًا لليقظة الدائمة، وها هو الواقع يؤكّـد أن هذه اليقظة لم تعد خيارا، بل ضرورة وجودية في معركة مفتوحة عنوانها: الحق في مواجهة الباطل، والوعي في مواجهة التضليل.
التعليقات مغلقة.