من يوم الفرقان إلى زمن الطوفان.. كيف يجسد يمن الإيمان روحانية بدر في مواجهة طغاة العصر؟

صنعاء سيتي | تقرير خاص

 

في السابع عشر من رمضان، لا تستحضر الأمة مجرد ذكرى نصرٍ عسكري، بل تقف أمام “يوم الفرقان”؛ المحطة التي فرّق الله بها بين الحق والباطل، وأرسى فيها سننه الأبدية للنصر.

واليوم، تتجلى روحانية بدر ودروسها الخالدة في مواقف “يمن الإيمان والحكمة”، الذي حوّل بوصلته نحو مواجهة طغاة العصر، مجسداً الموقف الإيماني الذي لا يتجزأ.

الفرقان.. إعادة تعريف القوة

لم تكن غزوة بدر مواجهة بين جيشين، بل كانت صداماً بين مفهومين للقوة.. مفهوم قريش المادي القائم على الكثرة والغطرسة، ومفهوم إلهي جديد يعرّف القوة بأنها اتصالٌ بمصدرها الحقيقي.

{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ}.. لقد علّمتنا بدر أن القوة ليست امتلاكاً، بل هي “تجلي”، فالمؤمن لا يمتلك القوة، بل يصبح قناةً طاهرةً تتجلى من خلالها قوة الله.. هذا هو الدرس الذي انتقل من رمال بدر إلى جبال اليمن، حيث لا يُقاس الموقف بحسابات القوة المادية، بل بمدى صفاء الاتصال بمصدر القوة المطلقة.

الإيمان اليماني.. جغرافيا الروح

لم يكن وصف النبي (ص) لليمن بـ “الإيمان يمان” مجرد مدح عابر، بل كان تحديداً لجغرافيا الروح، هناك طبائع وأرواح مهيأة فطرياً للاتصال بالحق دون حواجز أو حسابات معقدة.. الأنصار، وهم من أصول يمانية، لم يقدموا لرسول الله بيعة سياسية مشروطة، بل قدموا “انصهاراً روحياً” كاملاً في مشروعه الإلهي.. قولهم: “فامضِ لما أردت… لخضناه معك” لم يكن خطاباً حماسياً، بل كان تعبيراً عن حالة “التسليم” المطلق للحق. هذا التسليم الفطري هو ما نراه اليوم في الموقف اليمني؛ موقف لا ينبع من تحليل المصالح السياسية، بل من استجابة فطرية لنداء الحق، وكأن جينات الأنصار الروحية لا تزال فاعلة.

بدر كاشفة: من أنت في لحظة الاختبار؟

كل معركة كبرى هي في جوهرها “يوم فرقان” شخصي، تكشف حقيقة كل فرد.. في بدر، لم يكن الصراع مع قريش فقط، بل كان أيضاً مع التردد الداخلي، مع صوت المنطق المادي الذي يوسوس بالهزيمة، ومع المنافق الذي يمثل “اللا-موقف”، لقد فضحت بدر كل هذه الحالات. واليوم، يمر العالم الإسلامي بـ”لحظة بدر” كاشفة.. الموقف من طوفان الأقصى ومواجهة الاستكبار العالمي ليس مجرد خيار سياسي، بل هو “فرقان” يكشف من هو “البدري” في وعيه، ومن هو “المنافق” في تردده، ومن هو “القرشي” في انحيازه لمنظومة الطغيان.. لقد اختار اليمن أن يكون “بدرياً” في موقفه، ليس انتصاراً لسياسة، بل انتصاراً لهويته الروحية.

الرمية التي لا تخطئ

إن مشهد رمي النبي (ص) للحصى في وجوه المشركين هو من أعمق مشاهد بدر رمزية.. فعلٌ بشري بسيط في ظاهره، لكنه متصلٌ بإرادة إلهية جعلت أثره مطلقاً: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}..هذه الآية ليست مجرد وصف لحدث، بل هي قانون في العمل الجهادي: عندما يتحرك المؤمن بنية خالصة، فإن فعله المحدود يتصل بقوة الله اللامحدودة.

واليوم، يتجسد هذا القانون في موقف يمن الإيمان؛ فكل قرار يُتخذ، وكل تحرك يُنفذ نصرةً لغزة ولبنان وإيران وكل المستضعفين في محور الأمة، هو تجسيد حديث لتلك الرمية المباركة.. إن هذه المواقف ليست مجرد سياسات أو تكتيكات عسكرية، بل هي “أفعال إيمانية” تُطلق بيقين أن اليد التي ترسم الموقف هي مجرد بداية، وأن الله هو من يسدد الأثر ويحقق الهدف.

مسيرة الفرقان.. مستمرة

في الوعي القرآني، الزمن ليس خطاً مستقيماً، بدر ليست حدثاً انتهى، بل هي “نموذج ” يتكرر كلما توفرت شروطه: فئة مؤمنة، قيادة ربانية، ومواجهة حتمية مع طغيان العصر.. إن استحضار بدر ليس بكاءً على الأطلال، بل هو استدعاءٌ لروحها لتشكيل المستقبل.. الموقف اليمني اليوم هو الدليل الحي على أن بدر ليست في كتب التاريخ، بل هي طاقة حية تتنفس في الحاضر، وتعد بمستقبل لا مكان فيه للطغاة، تماماً كما وعد “يوم الفرقان” الأول.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.