القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط: خناجر استعمارية في خاصرة الأمة ودروع متقدمة لحماية الكيان الصهيوني

صنعاء سيتي | تقرير خاص

 

تروج الماكينة الإعلامية والسياسية الغربية لسردية مضللة تعتبر الانتشار العسكري الأمريكي الكثيف في الشرق الأوسط، وتحديداً في منطقة الخليج، ضرورة استراتيجية لـ “حماية الاستقرار” وتوفير “مظلة أمنية” للدول المضيفة. إلا أن القراءة الميدانية للتحولات الجيوسياسية تسقط هذا القناع، لتكشف عن حقيقة راسخة: إن هذه القواعد منظومات احتلالية مقنعة، زُرعت في قلب الجغرافيا العربية والإسلامية لحماية منظومة المصالح الاستعمارية لواشنطن، وضمان التفوق النوعي والأمني للكيان الصهيوني. إن هذا الوجود يمثل في جوهره استلاباً لسيادة الدول المضيفة، وتحويلاً لأراضيها إلى منصات متقدمة لإدارة الصراعات وقمع أي حراك إقليمي تحرري.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية، لا سيما في ظل حرب الإبادة الصهيونية المستمرة، تتجلى الإشكالية الكبرى في الدور الوظيفي لهذه القواعد؛ فهي لم تتحرك يوماً لردع اعتداء يمس أمن شعوب المنطقة، بل سخرت إمكاناتها الرادارية واللوجستية لحماية الكيان الإسرائيلي وإمداده بأسباب البقاء. إن هذا الواقع يثير تساؤلات ملحة حول شرعية هذا الوجود، الذي تحول من ادعاء “الدفاع المشترك” إلى أداة عدوانية تزيد من رقعة التصعيد، مما يحتم تفكيك السردية الاستعمارية وكشف الدور المشبوه لهذه الثكنات في تمزيق نسيج الأمة.

وَهمُ الحماية وهندسة التبعية العسكرية

لم يكن تحويل الشرق الأوسط إلى أكبر ثكنة عسكرية أمريكية خارج الولايات المتحدة وليد الصدفة، بل هو نتاج تخطيط استراتيجي بدأ منذ نهاية الحرب الباردة. تاريخياً، استغلت واشنطن حرب الخليج الثانية عام 1991 كذريعة لنشر أكثر من 500,000 جندي تحت مسمى “تحرير الكويت”، وهي الخطوة التي أسست لبقاء دائم عبر اتفاقيات أمنية مُجحفة. تشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم شبكة تضم أكثر من 30 قاعدة عسكرية رئيسية، أكبرها قاعدة “العديد” في قطر التي تضم مركز العمليات الجوية المشترك (CAOC)، وقاعدة “الأسد” في العراق، وقاعدة “الأزرق” في الأردن. هذا الانتشار لم يهدف يوماً للدفاع عن حدود الدول المستضيفة، بل لخلق بيئة أمنية تابعة تُدار من واشنطن وتمنع نشوء أي قوة إقليمية مستقلة تهدد المصالح الغربية.

ميدانياً، تثبت الوقائع أن هذه القواعد تعمل كمنصات انطلاق لعمليات عدوانية عابرة للحدود، كما حدث في غزو العراق عام 2003، حيث استُخدمت القواعد الجوية كركيزة أساسية لتدمير دولة عربية شقيقة. وتتبع واشنطن سياسة “الاحتواء المزدوج”؛ فهي تبتز الأنظمة الحليفة بـ “فزاعة” التهديدات الخارجية لضمان تدفق صفقات السلاح، ومن جهة أخرى تستخدم هذه القواعد لمراقبة تحركات الشعوب وأي بوادر للتمرد على الهيمنة. إن التواجد العسكري الأمريكي لا يحمي الدول المضيفة، بل يحمي قدرة واشنطن على التدخل الفوري لتغيير الأنظمة أو ضرب القوى الحية التي ترفض التبعية، مما يجعل السيادة الوطنية مجرد حبر على ورق أمام إرادة “السينتكوم”.

تُظهر البيانات الاقتصادية أن هذه القواعد تمثل عبئاً مالياً ضخماً على الدول المستضيفة؛ ففي الوقت الذي تتحمل فيه ميزانيات الدول العربية كلفة الصيانة والتشغيل لآلاف الجنود الأمريكيين، تُحرم هذه الدول من بناء منظومات دفاعية ذاتية مستقلة. إن الارتهان لمنظومات السلاح الأمريكية المرتبطة بهذه القواعد يجعل هذه الدول في حالة “عجز تقني” دائم؛ حيث تملك واشنطن “مفاتيح” تشغيل هذه الأسلحة والقدرة على تعطيلها في أي لحظة لا تتماشى فيها سياسة الدولة المضيفة مع الأجندة الإمبريالية، وهي الضمانة التي تفرضها واشنطن لبقاء المنطقة تحت السيطرة الصهيو-أمريكية للأبد.

الارتهان السيادي والوظيفة الصهيونية للقواعد

تمثل العقيدة التشغيلية للقواعد الأمريكية في المنطقة “خيانة عظمى” للثوابت القومية، حيث تترابط هذه القواعد تقنياً واستخباراتياً مع جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر نظام الربط الإلكتروني (Link 16) لتبادل البيانات الفورية. خلال العدوان الصهيوني على غزة ولبنان، أثبتت الشواهد أن المعلومات التي تجمعها طائرات الاستطلاع الأمريكية المنطلقة من القواعد الإقليمية كانت تُمرر مباشرة لغرف عمليات العدو. إن هذا الارتباط العضوي يجعل من القواعد الأمريكية “رادارات حماية” متقدمة للكيان الصهيوني، تتولى مهمة الإنذار المبكر واعتراض الصواريخ والمسيرات التي تستهدف العمق المحتل، كما حدث خلال التصدي لعمليات “الوعد الصادق” الإيرانية وردود فعل المقاومة في اليمن والعراق.

على مستوى السيادة، تُعتبر هذه القواعد “مناطق خارج القانون”؛ حيث يتمتع الجنود الأمريكيون بحصانة قانونية تمنع محاكمتهم أمام القضاء الوطني مهما ارتكبوا من جرائم. إن إدخال هذه القواعد يمنح العدو موطئ قدم في أطهر بقاع الأرض، في استخفاف تام بسيادة الدول؛ إذ تُنفذ العمليات العسكرية والاغتيالات دون إخطار مسبق للسلطات المحلية، كما جرى في اغتيال القادة الشهداء في مطار بغداد عبر طائرات انطلقت من قواعد إقليمية، مما يضع هذه الأنظمة في موقف المتواطئ أو العاجز أمام شعوبها.

لا يمكن فصل الدور العسكري لهذه القواعد عن السقوط الأخلاقي والفساد الذي تزرعه. إن الارتباط الوثيق بين النخب السياسية الغربية وبين فضائح مدوية مثل “جزيرة إبستين” يوضح طبيعة العدو الذي نُدخل جنوده إلى بلادنا. إن من يغطي جرائم القتل الجماعي في غزة هو ذاته الذي يقود هذه القواعد. وتتحول هذه القواعد إلى “خلايا استخباراتية” مهمتها التحكم في مصير الأنظمة؛ إذ تراقب الاتصالات السيادية والتحركات الشعبية لضمان عدم خروج أي نظام عن الخطوط الحمراء. إنها عملية “مقايضة السيادة بالبقاء” التي تفرضها واشنطن كشرط لوجودها، مما يعزز الاستبداد ويقمع تطلعات الشعوب التحررية.

استهداف إيران والمقاومة ومشروع “الشرق الأوسط الجديد”

تُشكل الجمهورية الإسلامية في إيران وقوى المقاومة العائق الاستراتيجي الأكبر أمام خطة “الشرق الأوسط الجديد” التي تهدف لتحويل الكيان الصهيوني إلى مركز قيادي للمنطقة. لذا، تُعد القواعد الأمريكية المحيطة بإيران والمنتشرة في العراق وسوريا والأردن منصات “عدوان استباقي” لعزل طهران وتجفيف منابع قوة المقاومة. إن التحليل الميداني يثبت أن هذه القواعد تُستخدم لإدارة الحصار الاقتصادي وشن ضربات جوية ضد القوات الحليفة للمقاومة، مما يؤكد أن وجودها هو لاستبقاء حالة الصراع والتمزيق لصالح الاستراتيجية الصهيونية العالمية.

بناءً على هذا الواقع، تملك إيران وقوى المقاومة الحق الكامل في استهداف القواعد الأمريكية التي تُستخدم كمنصات للعدوان. إن من يمنح هذه القواعد غطاءً سياسياً لا يملك الحق في الاحتجاج على ردات الفعل المشروعة. إن معادلة الردع التي يفرضها محور المقاومة اليوم هي الرد الوحيد الكفيل بإفهام واشنطن أن زمن التفرد بالعدوان قد انتهى، وأن استهداف هذه القواعد هو ممارسة للسيادة ودفاع عن شرف الأمة المسلوب.

إن محاولات محاصرة إيران تهدف لفتح الطريق أمام “قطار التطبيع” الشامل وتصفية القضية الفلسطينية؛ فالقواعد الأمريكية هي الحارس العسكري لعمليات التطبيع والضامن لمنع الشعوب من إسقاطها. لذا، فإن المعركة ضد الوجود الأمريكي هي معركة وجودية؛ فإما بقاء هذه القواعد وتصفية المقدسات، وإما رحيلها وعودة المنطقة لأصحابها الحقيقيين. إن الوعي الشعبي المتنامي بأن هذه القواعد لا تحمي المنطقة بل تحتمي بها لتنفيذ أجندات صهيونية هو الحجر الأساس في معركة التحرير القادمة.

التدرع بالمدنيين وسقوط أخلاقيات المواجهة

مع تصاعد دقة ضربات المقاومة ضد الثكنات الأمريكية، رصدت تقارير ميدانية لجوء القوات الأمريكية إلى تكتيك غادر يتمثل في إخلاء المواقع العسكرية والتمركز في مناطق مدنية ومرافق خدمية مأهولة. إن هذا الهروب يمثل “جريمة حرب” موصوفة باتخاذ المدنيين دروعاً بشرية. إن الأمريكيين الذين يتباكون على حقوق الإنسان ينتهكونها بجعل الأحياء السكنية العربية والخليجية أهدافاً محتملة لردود الفعل العسكرية هرباً من المواجهة المباشرة.

يجب الضغط لإخراج القوات الأمريكية من النطاق المدني فوراً وتجريم هذا السلوك. إن لجوء جندي “الإمبراطورية” للاختباء خلف الأطفال والنساء يكشف عن جبن عسكري وانهيار روحي، ويؤكد أن هذه القوات باتت عبئاً أمنياً خطيراً يستوجب الرحيل الفوري؛ فبدلاً من توفير الحماية، أصبحت هي من يطلب الحماية عبر التدرع بالأبرياء، مما يجعل رحيلها مطلباً أمنياً وأخلاقياً لا يقبل المساومة.

حتمية التحرر وتفكيك منظومة الارتهان

تخلص هذه الدراسة إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية “أورام استعمارية” زُرعت لخدمة المصالح الصهيونية ونهب مقدرات الأمة. إن الرهان على “المظلة الأمريكية” سراب، حيث أثبتت التجربة استعداد واشنطن للتضحية بأي حليف في سبيل أمن “إسرائيل” وتدفق النفط، مما يجعل من وجود هذه القواعد احتلالاً سافراً يستوجب الرفض والمقاومة.

إن فجر التحرر مرتبط حتماً بتفكيك هذه المنظومة العسكرية الغاشمة وإرغام قوات الاحتلال على الرحيل النهائي. إن استعادة السيادة والكرامة تبدأ من إغلاق هذه القواعد ووقف الغطاء السياسي الخائن الذي تمنحه بعض الأنظمة. إن محور المقاومة يرسم اليوم طريق الخلاص؛ فالأمة التي ترفض أن تكون درعاً لعدوها هي الأمة الجديرة بصناعة مستقبلها، ورحيل الأمريكيين هو الخطوة الأولى نحو “شرق أوسط حر” قراره في عواصمه، لا في دهاليز البيت الأبيض أو غرف عمليات الكيان الصهيوني.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.