شلل القواعد الأمريكية بالخليج بعد الرد الإيراني.. المسمار الأخير في نعش “إسرائيل الكبرى” و”الشرق الأوسط الجديد”

صنعاء سيتي | تقرير خاص

 

لم يعد الحديث عن “الرد الإيراني المزلزل” مجرد توصيف لعملية عسكرية محدودة الزمان والمكان، بل هو إعلان رسمي عن “وفاة سريرية” لمرحلة الهيمنة الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة على منطقة غرب آسيا منذ عقود. إن هذا الرد، بما حمله من كثافة نارية وتطور تكنولوجي وتخطيط استراتيجي، قد أحدث “فجوة وجودية” في جدار الأمن القومي الأمريكي والصهيوني، محولاً القواعد العسكرية التي كانت ترهب المنطقة إلى “خردة سياسية” وعسكرية عاجزة عن حماية نفسها. لقد وضعت هذه المواجهة حداً نهائياً لغطرسة القوة، وأثبتت أن موازين الردع لم تعد تُقاس بحجم الميزانيات العسكرية، بل بإرادة القتال والقدرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية وحساسة في عمق مناطق النفوذ الاستعماري، مما أدى إلى بعثرة أوراق “الشرق الأوسط الجديد” الذي هندسته واشنطن في غرفها السوداء، ليحل محله واقع تفرضه صواريخ المقاومة ومسيّراتها السيادية.

إن القيمة المضافة لهذا الانجاز التاريخي تكمن في كونه “عملية جراحية” دقيقة استأصلت وهم “التفوق التكنولوجي الغربي”، وكشفت أن التحالفات التي بُنيت على أساس “الحماية مقابل التبعية” هي تحالفات هشة تنهار عند أول اختبار حقيقي. إننا اليوم أمام مشهد دولي وإقليمي جديد، لا مكان فيه للمشاريع التوسعية الصهيونية، حيث انتقلت إيران ومعها محور المقاومة من وضعية “الدفاع عن الوجود” إلى وضعية “رسم الحدود”، وفرض معادلات جديدة تجعل من أي عدوان قادم مغامرة غير محسوبة النتائج قد تؤدي إلى زوال كيانات بأكملها. هذا التقرير يسبر أغوار هذا التحول، مستنداً إلى وقائع الميدان وتداعيات السياسة، ليثبت أن ما قبل الرد الإيراني ليس كما بعده، وأن ملامح “النظام الإقليمي الجديد” بدأت تتشكل بوضوح من طهران إلى صنعاء.

“الذهول الاستراتيجي”..قواعد أمريكا خارج الخدمة

أثبتت وقائع الرد الإيراني المزلزل أن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج، والتي صُممت لتكون “رؤوس حراب” في أي مواجهة إقليمية، قد تحولت إلى مراكز عاجزة ومشلولة وظيفياً. وقبل أن تبدأ الصواريخ بالانفجار في أهدافها، كانت “البنية التحتية السيبرانية” لهذه القواعد قد تلقت الضربة الأولى؛ حيث نفذت طهران عملية “التعمية الكاملة” (Blind-out) للمنظومات الرادارية الأمريكية، مما أدى إلى شلل في غرف العمليات المشتركة. لقد وجدت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في قاعدة “العديد” في قطر نفسها أمام شاشات صماء، عاجزة عن رصد المسارات المعقدة للمسيّرات والصواريخ، وهو ما يمثل ذروة الفشل الاستخباراتي والتقني الذي أصاب قلب الوجود الأمريكي في المنطقة.

وفي الإمارات، شهدت قاعدة “الظفرة” الجوية دماراً نوعياً في بنيتها التحتية الحيوية؛ حيث استهدف الرد الإيراني بدقة متناهية مدارج انطلاق طائرات “إف-35” ومخازن الذخيرة الذكية. إن تعطيل دور “الظفرة” لم يكن مجرد خسارة مادية، بل كان إطاحة بمفهوم “التفوق الجوي” الذي تتباهى به واشنطن. لقد كشفت المشاهد المسربة والتقارير الاستخباراتية أن منظومات الدفاع الجوي من طراز “باتريوت” و”ثاد”، التي تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات، وقفت متفرجة أمام أسراب المسيّرات الإيرانية “الزهيدة” التكلفة. هنا تبرز معادلة “التكلفة مقابل الكفاءة”؛ ففي حين تكلف الصاروخ الاعتراضي الأمريكي ملايين الدولارات، لم تكلف المسيّرة الإيرانية سوى بضعة آلاف، مما يعني أن البنية التحتية العسكرية الأمريكية باتت تعاني من استنزاف مالي حاد يجعل من بقائها في المنطقة انتحاراً اقتصادياً قبل أن يكون هزيمة عسكرية.

أما في السعودية، فقد نال مطار الأمير سلطان الجوي نصيبه من هذا الشلل الاستراتيجي، حيث تم تحييد الرادارات بعيدة المدى وتعطيل منصات الإطلاق، مما أخرج السعودية عملياً من معادلة “الدفاع عن الكيان الصهيوني”. وبالمثل، كانت قاعدة “علي السالم” في الكويت ومقرات الأسطول الخامس في البحرين شاهدة على العجز الأمريكي؛ إذ أدى الرد الإيراني إلى فرض “حصار ناري” غير مرئي جعل القطع البحرية الأمريكية تنسحب إلى مسافات بعيدة خوفاً من التدمير الكلي. إن ذكر هذه القواعد بالاسم (العديد، الظفرة، الأمير سلطان، وعلي السالم، ومقرات الأسطول الخامس) هو توثيق لسقوط “العمود الفقري” للمشروع الأمريكي، وإثبات بأن هذه القواعد تحولت من “قوة ردع” إلى “أهداف ثابتة” ومكشوفة تفتقر لأدنى مقومات الحماية الذاتية.

لقد انتقل الفشل من المستوى التقني إلى المستوى العملياتي؛ فتعطيل دور هذه القواعد يعني عملياً فقدان واشنطن للقدرة على التحكم في ممرات الطاقة والملاحة الدولية من خلال القوة العسكرية. إن البنية التحتية التي استثمرت فيها واشنطن على مدار نصف قرن لتكون حائط صد ضد إرادة الشعوب، تهاوت في ليلة واحدة أمام العقل العسكري الإيراني الذي استطاع دمج الحرب الإلكترونية بالضربات الحركية، ليترك القوات الأمريكية في حالة “ذهول استراتيجي”. هذا الشلل يمثل البداية الفعلية لانسحاب “قسري” للولايات المتحدة من المنطقة، بعد أن أصبحت تكلفة بقاء هذه القواعد وتأمينها تفوق قدرة الميزانية الأمريكية المنهكة.

تصدع حلف التطبيع.. سقوط الأقنعة وهشاشة “الأمن المستورد”

كشف الرد الإيراني القوي عن تصدعات عميقة وبنيوية في جدار التحالف “الأمريكي- الصهيوني- السعودي- الإماراتي”، حيث سقطت فرضية “الدفاع المشترك” التي كانت تُسوقها واشنطن لدول التطبيع كبديل عن السيادة الوطنية. لقد وجدت الرياض وأبو ظبي أنفسهما أمام حقيقة صادمة: أن الولايات المتحدة التي عجزت عن حماية قاعدتها “العملاقة” في العديد، هي أعجز من أن توفر مظلة أمنية لقصور الرياض أو ناطحات سحاب دبي. هذا التصدع لم يكن مجرد خلاف في الرؤى السياسية، بل كان “سقوطاً وظيفياً” لمهمة الحماية؛ فالدول التي ارتهنت للخارج اكتشفت أنها تحولت إلى “ساحات معركة” دون أن تمتلك وسيلة للدفاع، مما دفع النخب الحاكمة في هذه الدول إلى حالة من الذعر الوجودي وإعادة النظر في جدوى التحالف مع “قوة أفلة”.

إن هشاشة هذا التحالف برزت بوضوح عندما سقطت “الشرعية الاقتصادية” للتواجد الأمريكي؛ فواشنطن كانت تبيع أمن النفط مقابل مليارات الدولارات (البترودولار)، ولكن الرد الإيراني أثبت أن هذا “المنتج الأمني” فاسد ولا يعمل وقت الأزمات. لقد أدركت الإمارات والسعودية أن الارتباط بالكيان الصهيوني عبر “اتفاقيات إبراهيم” لم يزدها إلا انكشافاً أمنياً، بعد أن تحول الكيان نفسه إلى عبء يحتاج لمن يحميه. هذا الواقع أدى إلى بروز تباينات حادة داخل المعسكر الأمريكي، حيث بدأت بعض الأطراف في الخليج تبحث عن قنوات “تهدئة” مباشرة مع طهران وصنعاء، في اعتراف ضمني بأن “المظلة الأمريكية” قد تمزقت نهائياً، وأن المراهنة على الصهيوني هي مراهنة على حصان خاسر في سباق البقاء.

علاوة على ذلك، فإن هذا التصدع كشف عن أزمة ثقة لا يمكن ترميمها؛ فالدول التي فتحت أراضيها للقواعد الأمريكية وجدت أن هذه القواعد أصبحت “مغناطيماً” للصواريخ بدلاً من أن تكون “دروعاً”. إن سقوط أسطورة الدفاعات الجوية (الباتريوت) فوق أجواء السعودية والإمارات أثناء الرد الإيراني قد مزق الصورة الهوليودية للسلاح الأمريكي، وأثبت أن الأمن الحقيقي لا يُستورد من خلف البحار، بل يُصنع عبر التفاهمات الإقليمية واحترام سيادة دول المقاومة. إننا نشهد اليوم تحولاً في العقلية السياسية الخليجية من “التبعية المطلقة” إلى “القلق الوجودي”، وهو ما يمثل الضربة القاضية لمشروع “الناتو العربي- الصهيوني” الذي أرادت واشنطن من خلاله عزل إيران وحركات المقاومة.

انحسار المشروع الصهيو‑أمريكي وتعاظم محور الجهاد

يُعد الرد الإيراني المزلزل بمثابة “رصاصة الرحمة” على مشروع “إسرائيل الكبرى” و”الشرق الأوسط الجديد”؛ فقد انتقل الكيان الصهيوني من وضعية “المهاجم” الذي يمتلك زمام المبادرة، إلى وضعية “المحاصر” الذي يواجه تهديدات وجودية من كافة الاتجاهات. إن تدمير البنية التحتية الأمريكية الداعمة للكيان أدى إلى فقدان المستوطن الصهيوني لآخر ذرة ثقة في “الأمن المستدام”، مما فجر ظاهرة “الهجرة العكسية” بشكل غير مسبوق؛ حيث تشير الوقائع الميدانية والأرقام المسربة إلى أن مئات الآلاف من الصهاينة بدأوا بالفرار نحو أوروبا وأمريكا، مدركين أن “أرض الميعاد” المزعومة باتت “أرضاً لوعيد” صواريخ المقاومة. هذا التآكل في الجبهة الداخلية الصهيونية هو الدليل الأقوى على تبخر حلم “الدولة القوية”، وتحول الكيان إلى “ثكنة مهزوزة” تنتظر مصيرها المحتوم.

وبالمقارنة مع هذا التهاوي الصهيوني، نجد أن “وحدة الساحات” قد بلغت ذروة تألقها الاستراتيجي، محققةً تكاملاً نيرانياً وسياسياً لم تشهده المنطقة من قبل. فمن طهران التي رسمت “الخطوط الحمراء” بالحديد والنار، إلى اليمن الذي اجترح معجزة عسكرية بفرضه حصاراً بحرياً مطبقاً في البحر الأحمر والعربي والمحيط الهندي. إن الدور اليمني الاستثنائي في ضرب “البنية التحتية الاقتصادية” للكيان الصهيوني، عبر استهداف شريان الملاحة المرتبط به، يمثل الجناح الجنوبي القوي الذي كسر كبرياء الأساطيل الأمريكية (أيزنهاور وغيرها). لقد أثبت اليمن أن شلل القواعد الأمريكية في الخليج منح المقاومة اليمنية “فضاءً عملياتياً” واسعاً لتحدي القوة البحرية الأولى في العالم، مؤكداً أن “وحدة الجبهات” ليست شعاراً بل هي “غرفة عمليات مشتركة” تدير صراع الوجود بكفاءة متناهية.

وفي الجبهة الشمالية، يقف حزب الله في لبنان كقوة ضاربة عطلت قدرات العدو الاستخباراتية في شمال فلسطين المحتلة، محولاً مستوطنات الجليل إلى ركام، فارضاً معادلة “التهجير مقابل التهجير”. وفي العراق، تواصل المقاومة الإسلامية دك القواعد الأمريكية ومواقع العدو الصهيوني، مكملةً حلقة الحصار الناري. هذا التلاحم الميداني بين (إيران، اليمن، لبنان، فلسطين، والعراق) جعل من مشروع “إسرائيل الكبرى” مجرد “غيتو” محاصر يفتقر للعمق الاستراتيجي. إن فشل الكيان في تحقيق أي هدف عسكري حقيقي رغم الدعم الأمريكي اللامحدود، مقارنة بنجاح المقاومة في فرض شروطها، يثبت أن ميزان القوى قد مال نهائياً لصالح محور المقاومة، وأن الخارطة التي كان يرسمها “نتنياهو” في الأمم المتحدة قد مُسحت بدماء الشهداء وصمود المقاتلين.

إن المقارنة اليوم بين “محور المقاومة” الممتد والملتحم، وبين “المحور الصهيوني الأمريكي” المترنح، تعطي دلالة قطعية على أن المستقبل هو لمن يمتلك الأرض والإرادة. لقد سقطت مشاريع الربط السككي والتجاري التي كانت تهدف لدمج الكيان في المنطقة، وحل محلها “ترابط صاروخي وميداني” يمتد من صنعاء وبيروت إلى بغداد وطهران وصولاً إلى القدس. إن تدمير البنية التحتية العسكرية الأمريكية في الخليج لم يكن إلا التمهيد الضروري لفك الارتباط الاستعماري بالمنطقة، مما يجعل من تحرير القدس مساراً حتمياً وواقعياً، وليس مجرد نبوءة دينية، بعد أن تحطمت كل أدوات “الردع الغربية” على صخرة الصمود الإيراني وتكامل جبهات المقاومة.

ولادة العهد السيادي وموت الهيمنة

إن الخلاصات الاستراتيجية لهذا المنعطف التاريخي تؤكد أن العالم، ومنطقة غرب آسيا تحديداً، قد دخلت “العهد السيادي” الذي تُطوى فيه صفحة الهيمنة الأمريكية الصهيونية إلى الأبد. فنجاح إيران في شل وتدمير البنية التحتية للقواعد الأمريكية في الخليج هو “زلزال جيوسياسي” لم يقتصر تأثيره على الميدان، بل امتد ليهدم “العقيدة العسكرية” الغربية القائمة على الترهيب التكنولوجي. إن تداعيات هذا الانتصار تترجم اليوم في هروب الاستثمارات من الكيان الصهيوني، وتصاعد الهجرة العكسية، وبحث أنظمة التطبيع عن مخارج “آمنة” من ورطة التحالف مع واشنطن، مما يعني أن مشروع “إسرائيل الكبرى” قد انتهى عملياً، وحل محله مشروع “المنطقة المستقلة” التي تدير شؤونها بعيداً عن الوصاية الاستعمارية.

ختاماً، يمكن القول إن الرد الإيراني قد وضع اللبنة الأولى في بناء نظام إقليمي جديد، تقف فيه قوى المقاومة كحارس للحقوق والثروات والسيادة. إن المشهد القادم سيتسم بانسحابات أمريكية متتالية تحت ضغط الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، وبانهيار تدريجي للهياكل السياسية التي قامت على “خيانة القضية الفلسطينية”. ومع تعاظم قوة محور المقاومة، من صنعاء التي تفرض إرادتها في البحار، إلى طهران التي تفرض إرادتها في السماء، يغدو من الواضح أننا نعيش اللحظات الأخيرة من عمر “المشروع الصهيوني” في المنطقة، وأن “الشرق الأوسط الجديد” الحقيقي هو الذي يكتب تاريخه المقاومون بصواريخهم التي لا تُخطئ أهدافها، وبإرادتهم التي لا تعرف الانكسار.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.