صنعاء سيتي | متابعات
إن المتأمل في قصة نبي الله موسى -عليه السلام- يدرك أن الصراع مع الطواغيت لم يكن عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل كان في جوهره “صراعاً إعلامياً” محتدماً.
فمنذ اللحظة الأولى التي تحرك فيها موسى لنصرة المستضعفين، استنفر فرعون جهازه الدعائي لضرب “شرعية” هذا التحرك. وبناءً على ما قدمه السيد القائد في قراءته القرآنية العميقة، نستلخص دروساً جوهرية في كيفية إدارة الصراع الإعلامي المعاصر وفهم أدوات “أهل الباطل” التي لم تتغير جذورها وإن تطورت وسائلها.
تكشف الآيات الكريمة عن سرعة فائقة في تحرك الماكنة الإعلامية لآل فرعون. فحادثة مقتل أحد “المستكبرين” وقعت في يوم، وفي صبيحة اليوم التالي كان أتباع فرعون قد أتموا صناعة “الرواية الرسمية” التي تصور موسى كقاتل ومجرم (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس).
*تحليل الواقع المعاصر:
-
زمن العاجل: يعيش أهل الباطل اليوم في حالة استنفار دائم، يسابقون الثواني لنشر الإشاعة قبل وصول الحقيقة. إنهم يمتلكون روح “المبادرة” في الكذب، ولا ينتظرون وقوع الحدث بل يترصدونه.
-
كسل أهل الحق: يظهر الخلل حين يكتفي أهل الحق بـ “رد الفعل” بدلاً من “الفعل”. إن المفترض بمن يمتلك الحق هو أن يكون الأسبق في كشف مؤامرات العدو وفضح قبحه، ليس بالافتراء، بل بتسليط الضوء على الحقائق والوقائع التي يغطيها إعلام الزيف.
حين خاطب “الفرعوني” نبي الله موسى بقوله (إن تريد إلا أن تكون جباراً)، لم يكن يصف فعلاً حقيقياً، بل كان يمارس عملية “تأطير سياسي” للحدث. لقد استغل “خطأً فردياً” غير مقصود (الوكزة) ليضرب العنوان الكبير الذي يتحرك به موسى، وهو “إنقاذ المستضعفين”، محاولاً إيهام الناس بأن موسى ليس منقذاً بل هو “جبار” كفرعون.
*الإسقاط على الواقع اليمني ومحور المقاومة:
-
صناعة “قضية رأي عام”: هذا هو النهج ذاته الذي تتبعه دول العدوان ومرتزقتها تجاه “أنصار الله”. فعند وقوع خطأ فردي أو تقصير من شخص محسوب على المسيرة، تُسلط عليه الأضواء، وتُجند له مئات القنوات والمواقع، لا بهدف التصحيح، بل لضرب “المنهجية” وتشويه “المسيرة القرآنية” ككل.
-
المسؤولية الإيمانية: الوعي بأسلوب العدو يفرض علينا مسارين:
-
عدم التأثر النفسي: بفهم أن تضخيم الثغرة هو سياسة عدائية ممنهجة.
-
التصحيح الصارم: لا يجوز تجاهل الأخطاء بحجة الصراع؛ بل يجب معالجتها ومحاسبة المخطئين فوراً، لأن الصمت على الخطأ يمنح العدو “مادة دسمة” لتشويه الموقف الحق في عيون العامة.
-
يُعد “الإسقاط” من أخطر الأسلحة النفسية في الإعلام، وهو أن يسقط المجرمُ جريمته على الضحية. فرعون، الذي كان يذبح آلاف الأطفال ويقتل الرجال استعباداً، صوّر موسى بأنه “القاتل” لمجرد حادثة واحدة.
*شواهد من حرب “الإسقاط” المعاصرة:
-
الأخلاق والقيم: يروج أهل الباطل إشاعات أخلاقية كاذبة (كالنكاح والمتعة)، بينما واقعهم يشهد بانهيار قيمي كامل وإباحة للمحرمات.
-
الدين والمقدسات: يتهمون أهل الحق بسب الصحابة أو تفجير المساجد، في حين أن غاراتهم الجوية دمرت مئات المساجد، وكتبهم ممتلئة بالإساءة للرسول وأهل بيته.
-
الفساد المالي: يتحدث “العفافيش” عن الفساد، وهم الذين نهبوا مقدرات اليمن لـ 40 عاماً وبنوا القصور من عرق الشعب.
-
التبعية والعمالة: يتهمون الأحرار بالتبعية لإيران، وهم يتباهون بكونهم “أدوات” في يد الصهيوني والأمريكي، يمتثلون لأوامره حتى لو أهان كرامتهم.
-
الإرهاب: تقدم أمريكا نفسها كشرطي للعالم، وتصم اليمن ومحور المقاومة بالإرهاب، وهي التي أحرقت شعوباً بأكملها بالقنابل الذرية والفسفورية.
إن المعركة الإعلامية لا تُحسم بضربة واحدة. أهل الباطل لا يملون من تكرار الأكاذيب حتى يصدقها الناس، بينما يقع بعض أهل الحق في فخ “الكسل” أو “الظن بأن الناس يعرفون الحقيقة سلفاً”.
والدرس الأكبر من قصة موسى: هو ضرورة التواجد الدائم في ساحة الوعي، ومواكبة الأحداث أولاً بأول، وفضح مشروع الباطل بواقعه المخزي، بدلاً من البقاء في وضعية الدفاع عن النفس. إن كشف “حقيقة العدو” هو السد المنيع الذي يحمي المجتمع من التأثر بأراجيف الحرب النفسية.
التعليقات مغلقة.