سيكولوجية الاستضعاف وسنن التمكين: قراءة في المنهجية القرآنية لقصة موسى (ع)

صنعاء سيتي | متابعات

لا تستعرض قصة موسى عليه السلام صراعاً تاريخياً عابراً، بل تقدم “تشريحاً” دقيقاً للمنظومة الاستكبارية التي تهدف إلى تدجين الشعوب واستعبادها.

لقد اعتمد فرعون استراتيجية ثنائية الأبعاد لتكريس حالة الاستضعاف:

  1. القمع الـمادي (الإبادة الجسدية): عبر استخدام القوة الغاشمة (يذبح أبناءهم) لقتل روح المقاومة في مهدها، وحرمان المجتمع من طاقاته الشابة القادرة على المواجهة، مما يخلق جيلاً يتيماً ومهزوماً نفسياً.

  2. الإفساد الأخلاقي (تمييع المجتمع): عبر (يستحيي نساءهم)، وهي عملية “نسونة” ممنهجة للمجتمع، تهدف إلى نزع قيم الرجولة، والغيرة، والأنفة، وتحويل المجتمع إلى كتلة متميعة تفتقر للقوة الأخلاقية، وبالتالي تسقط جدارتها في نيل رحمة الله ونصره.

الربط بالواقع: ما يعيشه العالم اليوم من محاولات صهيونية لفرض التحلل الأخلاقي (الحرب الناعمة) بالتوازي مع القصف العسكري، هو امتداد حرفي للمنهج الفرعوني التاريخي.

يضعنا القرآن الكريم أمام تصنيف دقيق لفئات المستضعفين، موضحاً أن “الحالة المادية” واحدة، لكن “الموقف القلبي والعملي” هو ما يحدد المصير:

  • 1. المستضعفون الواعون (أصحاب المشروع):

    هم الذين يعون واقعهم القاتم ويرفضونه، ولا يرضون بالدنية في دينهم أو كرامتهم. هؤلاء وجهوا بوصلة التجاهم إلى الله (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) وطلبوا الولاية والنصرة الإلهية. هؤلاء هم “الجديرون بالفرج”، وهم الذين يتحول استضعافهم إلى قوة دافعة للتغيير والقتال في سبيل الله.

  • 2. المستضعفون القانعون (المستسلمون):

    فئة سلبها الطغيان إرادتها، فاستسلمت للواقع وبررت قعودها بالظروف (كنا مستضعفين في الأرض). هؤلاء اعتبرهم القرآن “ظالمي أنفسهم”؛ لأنهم قبلوا الهوان ولم يأخذوا بأسباب الخلاص كالهجرة أو التحرك، فكان مأواهم جهنم، باستثناء العجزة حقيقة الذين لا يملكون حيلة ولا وسيلة.

  • 3. المستضعفون التابعون (أدوات المستكبرين):

    وهم الأخطر، إذ تحولوا إلى “وقود” لمشاريع الطغاة وموالين لهم. وهؤلاء تنطبق عليهم سنة (كذلك نولي بعض الظالمين بعضاً). وتصور المشاهد القرآنية حسرتهم في النار وهم يتحاجون مع مستكبريهم، حيث لا ينفع الندم حين تنقطع الأسباب.

تأتي الآية الكريمة: $«وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ»$ لتضع قواعد كونية للتحرر:

  1. إرادة إلهية ثابتة: خلاص المستضعفين ليس “صدفة” بل هو قرار إلهي نافذ وسنة كونية لا تتخلف.

  2. النقلة الاستراتيجية: الإرادة الإلهية لا تقف عند حدود “النجاة”، بل تستهدف جعل المستضعفين “أئمة” (قادة وصناع قرار) و”وارثين” (أصحاب السيادة والتمكين).

  3. تحطيم المستحيل: قصة بني إسرائيل تثبت أن التمكين قد يأتي من وضعية “الاستعباد المطلق” التي بلغت حد قول فرعون (وقومهما لنا عابدون). هذا يفتح أفق الأمل العظيم بأن عظمة الله فوق كل حسابات القوة المادية.

يورد السيد القائد (يحفظه الله) نماذج تؤكد أن التمكين الإلهي يرتبط بـ “المسؤولية المقدسة”:

  • نموذج مكة: حين كان المسلمون قلة مستضعفة، أتى الوعد بانتصار الروم وصناعة المتغيرات العالمية كبشارة لصناعة واقع جديد.

  • نموذج الخندق: في لحظة “الزلازل” وحصار الأحزاب، كان النبي $ﷺ$ يبشر بفتح قصور كسرى وقيصر. سخر المنافقون من ذلك، لكن الواعين أدركوا أن الله ينجز وعده حين تخلص النوايا وتصدق العزائم.

الخلاصة: التمكين لا يهبط على القاعدين، بل يأتي في إطار الحركة الجادة لإقامة دين الله وتحقيق مقتضى الاستخلاف.

تختتم القصة بحقيقة مرعبة للطغاة: $«وَنُرِيَ هَامَانَ وَفِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ»$.

  • تآكل الهيبة: يتلاشى الطغيان (فرعون) والوزارة الفاسدة (هامان) والآلة العسكرية (الجنود) أمام إرادة الله.

  • قلق المستكبر: رغم جبروتهم، يعيش المستكبرون رعباً دائماً من “وعي المستضعفين”، ولذلك يفرطون في الإجرام كـ “وسيلة دفاعية” استباقية لمنع أي تحرك تحرري.

إن العبرة من قصة موسى (ع) هي أن الاستضعاف حالة “عارضة” يمكن تجاوزها بالوعي، والالتجاء الصادق إلى الله، والتحرك العملي، بينما التمكين هو “وعد أصيل” ينتظر الأمة التي تثق بربها وتتحرر من قيود الوهم والارتهان للطغاة.

التعليقات مغلقة.