رمضان في “حقبة الارتهان”: كيف حوّل نظام عفاش “الخير الرمضاني” إلى موسم أزمات وخناجر في خاصرة الشعب؟

صنعاء سيتي | تقرير خاص

 

تمثّل الذاكرة الجمعية لليمنيين تجاه شهر رمضان المبارك في عهد نظام علي عبدالله صالح سجلاً مثقلاً بـ “الأزمات الممنهجة”، حيث لم تكن معاناة المواطن في الحصول على الغاز والكهرباء نتاج صدفة أو عجز تقني، بل كانت “سياسة ترويض” تدار من غرف عمليات سياسية وعسكرية. لقد تعمد النظام طوال عقود تحويل هذا الشهر الروحاني إلى موسم لـ “الإنهاك المعيشي”، مستخدماً السلع الأساسية كأدوات للضغط السياسي والابتزاز المالي، مما جعل المواطن اليمني يقضي نهاره في طوابير “الاستجداء الخدمي” بدلاً من التفرغ للعبادة والوعي الوطني، في مشهد يجسد ذروة الارتهان والفساد المؤسسي.

إن القراءة الفاحصة للمؤشرات الاقتصادية والخدمية في تلك الحقبة تكشف عن “علاقة طردية” بين اقتراب شهر رمضان وارتفاع وتيرة التخريب المتعمد لمنظومة الطاقة واختفاء المشتقات النفطية؛ حيث كانت تقارير “الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة” (التي كان يُمنع نشرها آنذاك) تشير إلى وجود فجوة مفتعلة في العرض تتجاوز $45\%$ من الاحتياج الفعلي للسوق. هذه الفجوة لم تكن ناتجة عن نقص الإنتاج في حقول “صافر” أو “المسيلة”، بل كانت نتيجة لعمليات “احتجاز مقننة” للكميات لصالح شبكات تهريب ونافذين في القصر الجمهوري، بهدف إنعاش “السوق السوداء” ومضاعفة الأرباح على حساب لقمة عيش الفقراء والمساكين.

“ثلاثية الغاز والوقود”.. من الاحتكار الرسمي إلى السوق السوداء

تؤكد المعطيات الرقمية لقطاع التوزيع في شركة الغاز اليمنية خلال العقد الأخير من حكم صالح، أن العجز في مادة الغاز المنزلي كان يبدأ بالتصاعد قبل رمضان بـ 15 يوماً، ليصل إلى ذروته في الأسبوع الأول من الشهر بنسبة عجز تتجاوز $50\%$. ورغم أن الإنتاج المحلي من الغاز المسال كان يغطي الاحتياج اليومي للمحافظات، إلا أن النظام كان يعمد إلى تخفيض “الحصص الرسمية” للمحطات، وتحويلها إلى مخازن تابعة لمراكز قوى قبلية وعسكرية، ليتم بيع الأسطوانة لاحقاً بزيادة تصل إلى $300\%$ عن السعر الرسمي، في عملية نهب صريحة لمدخرات المواطن.

علاوة على ذلك، كانت أزمة “الديزل والبنزين” تدار عبر مسرحية “التقطعات القبلية” في طريق (مأرب – صنعاء)، وهي تقطعات كانت تتم في الغالب تحت حماية أطقم عسكرية تابعة لرموز النظام. هذه الأزمات كانت تهدف لضرب قطاع النقل والمواصلات، مما يؤدي آلياً إلى رفع أسعار السلع الغذائية والخضروات في الأسواق بنسبة تتراوح بين $20\%$ إلى $35\%$. وبحسب شهادات لمسؤولين سابقين، فإن الكميات “المفقودة” كانت تُباع في عرض البحر أو تُهرب عبر موانئ غير رسمية، لتمويل الأنشطة السياسية والحزبية للحزب الحاكم آنذاك.

إن الشواهد الميدانية في شوارع العاصمة والمحافظات الكبرى كانت توثق طوابير سيارات تمتد لعدة كيلومترات أمام محطات الوقود، في ظل غياب تام لأي دور رقابي لوزارة الصناعة والتجارة، التي كانت تكتفي بإصدار بيانات تبريرية تُلقي باللوم على “المخربين” الذين هم في الأصل أدوات بيد النظام. هذا الواقع المرير أدى إلى شلل تام في الحركة التجارية الداخلية خلال نهار رمضان، وانخفاض القوة الشرائية بنسبة كبيرة، مما دفع بآلاف الأسر إلى حافة الجوع، بينما كان النافذون يراكمون ثروات طائلة من فوارق الأسعار بين السعر المدعوم وسعر السوق السوداء المنظمة.

وفي تحليل أعمق لهذا النمط، نجد أن النظام كان يستخدم “أزمة المشتقات” كغطاء لتمرير صفقات استيراد مشبوهة بأسعار تفضيلية من شركات وهمية مقرها الخارج وتعود ملكيتها لأسرة صالح والمقربين منها. كانت هذه الصفقات تُكلف الخزينة العامة مئات الملايين من الدولارات سنوياً تحت بند “الاستيراد الإسعافي لمواجهة أزمة رمضان”، وهي أموال كان يمكن أن تُبنى بها مصافي جديدة أو محطات توليد عملاقة، لكن النظام فضل استمرار “دورة الفساد” لضمان ولاء مراكز القوى التي تقتات على أوجاع الشعب.

“الظلام الممنهج”.. الكهرباء كأداة عقاب جماعي

لقد تحولت منظومة الكهرباء في عهد صالح إلى “سلاح عقاب” يُشهر في وجه اليمنيين مع كل أذان مغرب في رمضان، حيث سجلت سجلات وزارة الكهرباء معدلات قياسية في انقطاع التيار وصلت في بعض السنوات إلى 20 ساعة يومياً. لم يكن العجز فنياً بقدر ما كان “تخريباً سياسياً”، حيث كانت خطوط نقل الطاقة (مأرب – صنعاء) تتعرض لاعتداءات منظمة في مناطق تخضع عسكرياً لقوات “الحرس الجمهوري” و”الفرقة الأولى”، دون أن يتم القبض على مخرب واحد، بل كانت الدولة تقوم بـ “تحكيم” المعتدين وصرف مبالغ مالية لهم، مما شجع على استمرار الظاهرة كموسم سنوي.

من الناحية الاقتصادية، تسبب هذا الانقطاع المتعمد في كوارث للقطاع الخاص الصغير والمنازل، حيث تشير التقديرات إلى أن خسائر تلف المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية في منازل المواطنين خلال شهر رمضان كانت تتجاوز 150 مليون دولار سنوياً. كما أن غياب التيار دفع المواطنين والمنشآت إلى اللجوء لـ “المولدات الكهربائية” و”الطاقة المستأجرة”، وهي تجارة رابحة أخرى كان يديرها نافذون في النظام يمتلكون توكيلات حصرية لهذه المولدات، مما يؤكد أن “الظلام” كان منتجاً اقتصادياً يدر الأرباح على السلطة، تماماً كما تفعل الأزمات النفطية.

وفي البعد النفسي والاجتماعي، كان انقطاع الكهرباء في أوقات السحور والإفطار يهدف إلى خلق حالة من “اليأس العام” والتحطيم المعنوي للشعب، لإيصال رسالة مفادها أن الدولة غير قادرة على توفير أبسط الخدمات، وبالتالي يجب القبول بالواقع القائم دون اعتراض. هذه السياسة أدت إلى تعطيل الحياة الرمضانية والمساجد والمجالس العلمية، وحوّلت اهتمام اليمني من القضايا الوطنية الكبرى إلى “البحث عن شمعة” أو “توفير لتر ديزل” لتشغيل مولد صغير، وهو ما يفسر استمرار هذه الأزمات لعقود دون حلول جذرية رغم امتلاك اليمن لموارد الغاز الطبيعي الوفيرة.

“سلاسل الفساد”.. التلاعب بالأسعار واحتكار السلع الأساسية

لم تقتصر الأزمات على الطاقة والغاز، بل امتدت لتشمل “رغيف الخبز” والمواد الغذائية الأساسية (الدقيق، السكر، الأرز)، حيث كانت تقارير الغرف التجارية توضح أن 70% من حركة الاستيراد كانت محتكرة لـ 5 مجموعات تجارية فقط مرتبطة بصلات عائلية أو نفعية برأس النظام. مع اقتراب رمضان، كانت هذه المجموعات تعمد إلى “تعطيش السوق” عبر تخزين كميات هائلة في مستودعات سرية، لترتفع الأسعار بنسبة تفوق القدرة الشرائية لـ 60% من اليمنيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، ثم تُطرح السلع بأسعار فلكية بمجرد دخول الشهر الكريم.

هذا الاحتكار كان يتم تحت نظر ومباركة الهيئات الرقابية التابعة للنظام، والتي كانت تكتفي بـ “حملات استعراضية” في الأسواق لا تضبط إلا صغار الباعة، بينما يظل “كبار الحيتان” فوق القانون. البيانات تشير إلى أن مؤشر تضخم أسعار الغذاء في اليمن خلال أشهر رمضان (2000-2010) كان يسجل أعلى مستوياته مقارنة ببقية أشهر العام، مما جعل من رمضان “عبئاً مالياً” يرهق كاهل الأسرة اليمنية، ويجبر الكثيرين على الاقتراض وتراكم الديون، وهو ما عزز من حالة “التبعية الاقتصادية” للفرد تجاه المنظومة الحاكمة التي كانت تمنح “المساعدات الموسمية” كصدقات لكسب الولاءات.

وعلى صعيد آخر، كانت “المعونات الخارجية” والقمح المقدم من المنظمات الدولية يجد طريقه غالباً إلى مخازن التجار النافذين ليُباع في السوق السوداء بأسعار مرتفعة، بدلاً من توزيعه على الفقراء. لقد رصدت تقارير دولية آنذاك عمليات “غسيل أموال” تتم عبر تجارة السلع الرمضانية، حيث كانت تُفتح اعتمادات مستندية وهمية بأسعار صرف تفضيلية من البنك المركزي، لتذهب هذه المبالغ للخارج بينما تُباع السلع في الداخل بأسعار السوق الموازية، مما استنزف الاحتياطي النقدي للبلاد وأدى إلى تدهور قيمة الريال اليمني أمام العملات الصعبة.

إن حقيقة هذه الأزمات تبرز بوضوح عند المقارنة بين إنتاج اليمن من الثروات وبين مستوى الخدمات المقدمة للمواطن؛ فبينما كان النظام يصدر الغاز لشركات دولية (توتال وكوجاز) بأسعار “بخسة” وفضائحية كشفتها تقارير لاحقة، كان اليمني يموت في طوابير الغاز أو يفتقر للكهرباء في أشد شهور السنة حرارة وصياماً. هذا التناقض الصارخ لم يكن فشلاً إدارياً، بل كان “جريمة منظمة” مكتملة الأركان، تهدف إلى إبقاء الشعب اليمني في دائرة “الصراع من أجل البقاء”، لضمان عدم تفرغه للمطالبة بحقوقه في السيادة والعدالة والتوزيع العادل للثروة الوطنية المنهوبة.

انكشاف القناع واستعادة الكرامة

إن استعراض وقائع الأزمات الرمضانية في عهد نظام صالح يقطع الشك باليقين بأنها كانت “سياسة ممنهجة” وليست نتاج ظروف عارضة؛ فقد كان الفساد هو المحرك الأول لكل تفاصيل الحياة اليومية، وكان المواطن هو الضحية الدائمة في صراع المصالح بين أجنحة السلطة. لقد أثبتت المعطيات أن النظام استخدم “الجوع والظلام” كأدوات للضبط الاجتماعي، محولاً مؤسسات الدولة إلى أدوات عقابية تُستخدم لإخضاع الجماهير وإلهائهم بلقمة العيش عن طموحاتهم في التحرر والبناء الوطني المستقل.

إن الحالة الراهنة لليمن، رغم ما يواجهه من عدوان وحصار شامل استهدف كل مقومات الحياة، تكشف زيف مبررات النظام السابق؛ فحينما توفرت “الإرادة السياسية” الوطنية الصادقة في صنعاء، استطاعت مؤسسات الدولة رغم شحة الإمكانيات واحتلال حقول النفط والغاز، أن تدير الأزمات بمسؤولية وطنية عالية وتكافح السوق السوداء والفساد الاحتكاري. إن وعي الشعب اليمني اليوم بات يدرك أن “زمن الأزمات المفتعلة” قد ولى مع رحيل ذلك النظام المرتهن، وأن كرامة المواطن اليمني لم تعد تقبل المساومة عليها في سوق “النخاسة السياسية” التي كانت سائدة في عقود “الارتهان والفساد”.

 

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.