11 فبراير 2015.. يوم انكسرت الوصاية وسقط وكر أمريكا في صنعاء
صنعاء سيتي | تقرير خاص
لم يكن الحادي عشر من فبراير 2015 يومًا عاديًا في تاريخ اليمن، بل زلزالًا سياديًا أطاح بأحد أخطر أشكال الهيمنة الأمريكية في المنطقة.. في ذلك اليوم، خرج المارينز الأمريكي من العاصمة صنعاء هاربين، مجردين من السلاح، محطّمين بنادقهم بأيديهم، في مشهد لم تشهده عاصمة عربية من قبل، ولم تعرفه واشنطن إلا في لحظات انهيار مشاريعها الكبرى.
لقد مثّل جلاء المارينز نهاية مرحلة كانت فيها السفارة الأمريكية “الحاكم الفعلي” لليمن، وبداية عهد جديد فرضته ثورة 21 سبتمبر المجيدة، عنوانه: السيادة الكاملة، القرار الحر، والقطيعة النهائية مع الوصاية.
على مدى أكثر من عقد، لم يكن الوجود الأمريكي في صنعاء دبلوماسيًا، بل احتلالًا ناعمًا متعدد الطبقات:
-
سيطرة سياسية مباشرة: كان السفير الأمريكي صاحب الكلمة الفصل في التعيينات والقرارات السيادية.
-
اختراق أمني واستخباراتي شامل: تحوّلت السفارة إلى مقر إقليمي لـ CIA يدير اليمن والقرن الأفريقي.
-
إدارة عسكرية خفية: مكتب التعاون العسكري (OMC) ولجنة “هيكلة الجيش” أشرفا على تفكيك القدرات الدفاعية اليمنية.
-
تدمير ممنهج للقدرات: تفجير وإتلاف نحو 1500 صاروخ دفاع جوي بين 2012–2014 بإشراف أمريكي مباشر.
في تلك المرحلة، لم تكن الدولة اليمنية سوى واجهة، بينما القرار الحقيقي يُتخذ داخل “وكر السفارة” في حي شيراتون.
جاءت ثورة 21 سبتمبر المجيدة لتقطع هذا المسار جذريًا. لم تكن ثورة مطالب جزئية، بل ثورة تحرر وطني شامل استهدفت جوهر الهيمنة:
-
أسقطت المبادرة الخليجية كأداة وصاية.
-
أنهت “حق الفيتو” الأمريكي على القرار العسكري.
-
أعادت بناء الدولة من منطلق الهوية الإيمانية.
-
أغلقت قنوات الاختراق السياسي والأمني.
ومنذ انتصار الثورة، أدركت واشنطن أنها فقدت السيطرة من الداخل، وأن مشروع “الإدارة من السفارة” وصل إلى نهايته.
مع صدور الإعلان الدستوري في 6 فبراير 2015، بدأ العدّ التنازلي للرحيل الأمريكي.
وفي 11 فبراير، تحوّل “الانسحاب الدبلوماسي” إلى سقوط استراتيجي مدوٍّ:
-
مغادرة السفير ماثيو تولر في موكب مدرع.
-
خروج عناصر المارينز وCIA بزي مدني.
-
تحطيم 250 قطعة سلاح في مطار صنعاء بعد منع إخراجها.
-
ترك 32 عربة مصفحة وأجهزة اتصالات مشفرة.
-
إحراق وتدمير غرف عمليات استخباراتية فائقة السرية.
هذا المشهد لم يكن إجراءً أمنيًا، بل إعلان هزيمة سيادية كاملة.
وضع قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي الحدث في إطاره الحقيقي، حين قال:
“هروب المارينز الأمريكي وخروج زمرة الشر الأمريكية من صنعاء كان بحق نصرًا عظيمًا من الله، ولم يكن بمفاوضات أو تنازلات أو مساومات على حرية وكرامة واستقلال شعبنا العزيز، بل كان ثمرة لنهضة شعبنا انطلاقًا من هويته الإيمانية وثورته المباركة وإنجاز 21 سبتمبر، ويأس العدو الأمريكي من إخضاع الشعب اليمني من داخل العاصمة.”
هذا التوصيف يحسم الجدل: ما حدث نصر إلهي وسيادي، لا صفقة ولا انسحابًا اختياريًا.
خروج المارينز شكّل الشرط التأسيسي لكل ما تحقق لاحقًا:
-
بناء برنامج الاكتفاء التسليحي.
-
تطوير الصواريخ الباليستية والفرط صوتية.
-
الانتقال من الدفاع إلى الردع العابر للحدود.
-
فرض الحظر البحري في البحر الأحمر وباب المندب.
وهو ما يفسّر العجز الأمريكي اليوم عن تقدير حجم الترسانة اليمنية، بعد فقدان “الرؤية الاستخباراتية” منذ 2015.
يربط المراقبون بين هروب المارينز من صنعاء (2015) وفرار حاملات الطائرات من البحر الأحمر (2024–2026).
فاليمن الذي طرد أمريكا من البر، هو نفسه الذي فرض عليها الانسحاب البحري، وكسر أسطورة “السيادة البحرية” الأمريكية، وأدخل واشنطن في نزيف مالي تجاوز 1.2 مليار دولار خلال أشهر.
لم يكن طرد المارينز قرارًا أمنيًا فقط، بل عملية تطهير سيادي وقيمي:
-
إسقاط برامج الاختراق الثقافي.
-
إنهاء مشاريع الأقلمة والتقسيم.
-
استعادة القرار الأخلاقي والوطني.
-
بناء جبهة داخلية متماسكة.
ولهذا، لم يعد هناك “سفير” يمنع اليمنيين من الوقوف مع فلسطين، ولا “فيتو” يكبح موقفهم المبدئي من قضايا الأمة.
في 11 فبراير 2015، وُلد اليمن من جديد.
لم يغادر المارينز الأمريكي العاصمة صنعاء فقط، بل غادرت معهم مرحلة كاملة من الإذلال والوصاية.. كان ذلك اليوم شهادة وفاة رسمية لمشروع الهيمنة الأمريكية في اليمن، وبداية عصر السيادة الكاملة.
لقد أثبتت ثورة 21 سبتمبر أن القوة الحقيقية ليست في القواعد والأساطيل، بل في الإرادة الواعية، والهوية الحية، والقيادة الشجاعة.
ولهذا ستبقى ذكرى 11 فبراير يومًا خالدًا، وعلامة فارقة في تاريخ الشعوب التي قررت أن تكون سيدة قرارها.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.