الشهيد طه المداني.. القائد الذي هندس الأمن من قلب المواجهة
صنعاء سيتي | تقرير خاص
في زمن التحديات الجسيمة التي واجهت اليمن، ومع اشتداد الاستهداف الذي طال هويته الإيمانية وأمنه واستقراره، برزت قيادات استثنائية حملت على عاتقها مسؤولية تاريخية.
لم يكن الشهيد اللواء طه حسن المداني مجرد قائد أمني عابر، بل كان مدرسة في البصيرة والجهاد، وشخصية فذة جمعت بين حنكة القائد الميداني وعمق الرؤية الأمنية في مرحلة هي الأدق والأخطر في تاريخ اليمن المعاصر.
منذ اللحظات الأولى لانطلاق المشروع القرآني، كان الشهيد المداني في طليعة رجال المسيرة الذين أدركوا حجم المؤامرة، وكرّسوا حياتهم لبناء منظومة دفاعية وأمنية قادرة على حماية الجبهة الداخلية، وتأمين ظهر المجاهدين في مواجهة أعتى الأدوات الاستخباراتية التي سخرها الأعداء لضرب اليمن من الداخل.
وُلد الشهيد طه المداني عام 1979م في كنف أسرة عُرفت بالعلم والجهاد، فنهل من معينها الإيمان والوعي.. كانت المساجد مدرسته الأولى، والالتزام بالنهج القرآني بوصلته التي لم تحد عنها، ومع انطلاق الصرخة في وجه الاستكبار العالمي، كان من السبّاقين الذين صدعوا بالحق وتحمّلوا تبعات الموقف، فكان الاعتقال في أغسطس 2003م ضريبة موقفه الشجاع، حيث قضى سنوات خلف القضبان لم تزده إلا ثباتًا ويقينًا حتى خروجه أواخر عام 2006م.
لم يكن السجن نهاية المسار، بل كان بوابة نحو ميادين الشرف والبطولة.. خلال حروب صعدة الظالمة، تجلت عبقرية الشهيد المداني كقائد ميداني.. أصيب ثلاث مرات في الحرب الرابعة، فكانت جراحاته أوسمة شرف تحكي قصة حضوره الدائم في الصفوف الأمامية.
وفي الحرب الخامسة، تجلى دوره الأبرز في إدارة معركة “آل حميدان”، حيث حوّل بفضل الله وتخطيطه المحكم آليات العدو إلى حطام فيما عُرف بـ “مجزرة الدبابات”، في ملحمة عسكرية أثبتت تفوق حكمة وبأس المجاهدين.. أما في الحرب السادسة، فقد أُوكلت إليه مهمة الدفاع الاستراتيجي عن صعيد صعدة، فأدار معركة “المقاش” بكفاءة نادرة، وتمكّن من صدّ ألوية كاملة وتثبيت نصر حاسم حافظ على المناطق الحرة.
بعد أن وضعت الحرب أوزارها مؤقتًا، انتقل الشهيد المداني إلى معركة لا تقل ضراوة: معركة بناء الأمن.. لم يتعامل مع الملف الأمني كإجراءات إدارية، بل كمنظومة وعي متكاملة.. فأسس أول جهاز أمني حقيقي للمجاهدين، مهمته حماية المجتمع من الداخل، وتحصينه ضد الاختراقات الاستخباراتية، وصون كرامة الناس.
تحت إشرافه المباشر، تحولت محافظة صعدة إلى نموذج فريد في الاستقرار، حتى أصبحت مضرب المثل في الأمان، وشهدت حركة اقتصادية واستثمارية لافتة كانت ثمرة مباشرة لذلك الأمن الذي بناه برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
مع انتصار ثورة 21 من سبتمبر المجيدة، كان الشهيد طه المداني في قلب معركة تفكيك منظومات العمالة والتجسس التي زرعها النظام السابق وأسياده في الخارج.. بصفته عضوًا في اللجنة الأمنية العليا، قاد جهودًا جبارة أسهمت في إسقاط عشرات الخلايا التابعة لاستخبارات معادية، وإفشال مخططات إجرامية خطيرة كانت تستهدف واد الثورة في مهدها وضرب استقرار الدولة والمجتمع.. كان عمله ميدانيًا ودقيقًا، بعيدًا عن الأضواء، قائمًا على المتابعة الصامتة التي لا تكل.
حين بدأ العدوان الأمريكي السعودي الغاشم في مارس 2015م، لم يرضَ الشهيد القائد لنفسه إلا أن يكون حيث يجب أن يكون الرجال: في خطوط النار الأمامية.. انتقل من إدارة المعركة الأمنية إلى خوض المواجهة العسكرية المباشرة، وقاتل إلى جانب رفاق دربه حتى نال وسام الشهادة الذي طالما تمناه، فارتقى إلى ربه في 5 يونيو 2015م.
رحل الشهيد طه المداني جسدًا، لكنه ترك خلفه إرثًا لا يغيب.. لم يكن قائد مرحلة فحسب، بل مؤسس مدرسة أمنية قرآنية متكاملة تقوم على أسس راسخة:
ـ الوعي قبل السلاح.
ـ الأخلاق قبل السلطة.
ـ القدوة قبل الأوامر.
ترك رجالًا أشداء، ومؤسسات صلبة، وتجربة تُعد من أنجح التجارب الأمنية في زمن الحرب.. سيبقى اسمه خالدًا في ذاكرة الوطن، كقائدٍ استثنائي هندس الأمن من قلب المواجهة، ورحل كما عاش.. ثابتًا، وفيًّا، ومجاهدًا.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.