فضيحة إبستين.. مرآة تعكس فساد حضارة أمريكا والغرب الكافر وقبح الصهيونية وأدواتها

صنعاء سيتي | تقرير

 

في عالم يصرخ بالفضائح، وتتناثر جرائم الأنظمة الغربية على واجهات الأخبار، تأتي فضيحة “جيفري إبستين” لتكشف النقاب مجدداً عن وجه القارة العجوز وأمريكا القبيح، الذي طالما حاولوا إخفاءه تحت عباءات الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذه الفضيحة ليست شأناً داخلياً أمريكياً فحسب، بل هي نموذج مصغر لحقيقة الحضارة الغربية القائمة على الإباحية والاستغلال والفساد الأخلاقي، والتي تُدار من خلف الستار من قبل نفس النخب الصهيونية وأدواتها التي تعيث في الأرض فساداً.

من خلال هذه الوثائق، لا تكشف الشبكات الإجرامية عن نفسها فقط، بل تؤكد صحة الرؤية القرآنية التي حذرت من فساد بني إسرائيل ومدى خطورتهم على العالم. وفي هذا السياق، يلتقي تحليل هذه الفضيحة مع الرؤية النافذة التي يطرحها السيد عبدالملك الحوثي، قائد أنصار الله، حول استخدام الفساد الأخلاقي كسلاح استراتيجي من قبل قوى الاستكبار العالمي. في هذا التقرير التحليلي الموسع، سنسرد وقائع هذه الفضيحة وروابطها، ونربطها بالمشروع الصهيوني العالمي، ونستعرض الشواهد التي تثبت أن ما خرج هو مجرد غيض من فيض.

من جزيرة الفساد إلى دوائر الصهيونية

م يكن “جيفري إبستين” مجرد رجل أعمال منعزل أو محتال عادي، بل كان جزءاً لا يتجزأ من شبكة مصالح متشابكة تتحرك في دوائر النفوذ والمال والسياسة في الولايات المتحدة، وتتغلغل في صميم مؤسسات صنع القرار. تشير تحقيقات متعددة إلى أن الرجل، ذو الأصول اليهودية، قام ببناء إمبراطوريته المالية المشبوهة على علاقات وثيقة مع أبرز الشخصيات في المجتمع الأمريكي، من رؤساء ورؤساء وزراء سابقين، إلى مليارديرات ومشاهير.

هذه العلاقات لم تكن بريئة، بل كانت قائمة على المعاملة بالمثل: تقديم الخدمات “الخاصة” التي اشتهر بها إبستين، مقابل الحماية السياسية والمكانة الاجتماعية والتغطية الإعلامية. ما يلفت النظر هنا هو الطريقة التي تحولت بها جزيرة “ليتل سانت جيمس”، أو ما عُرف بـ “جزيرة الموتى”، إلى سوق نخاسة حقيقية، حيث يتم استغلال القاصرات جنسياً وتقديمهن كهدايا أو “خدمات” للنخبة المتربعة على عرش السلطة في الغرب.

هذه المعطيات تتقاطع مع التحليل الذي يكشف أن إبستين لم يكن سوى أداة من أدوات مشروع أكبر، يهدف إلى اختراق وابتزاز النخب الغربية عبر تسجيل أدلة فاضحة ضدهم، مما يضمن ولاءهم للشبكة الصهيونية التي تتحكم من خلف الكواليس. إنها استراتيجية قديمة متجددة، تعتمد على إشباع الرغبات المريضة للنخب ثم التحكم بهم عبر تهديدهم بالفضيحة. هذا النمط من التحكم لا يخدم إلا أجندة واحدة: أجندة الصهيونية العالمية التي تسعى للهيمنة على العالم عبر كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. وهنا بالضبط نجد تكراراً عملياً للمنهج الذي يحذر منه السيد الحوثي، حين يربط بين ما يسميه “المنهج اليهودي التاريخي في الإفساد” والممارسات الحديثة التي تستهدف “غزو العقول” و”كسر الإرادات” كمرحلة تسبق الهيمنة السياسية والعسكرية.

إعلام زائف.. أدوات التستر الأمريكي

أحد أبرز الدروس المستفادة من فضيحة إبستين هو الدور المخزي الذي لعبته وسائل الإعلام الغربية الرئيسية، والتي تتشدق دوماً بحرية الصحافة واستقلاليتها. لقد تم التعتيم الإعلامي المتعمد على هذه القضية لسنوات طويلة، حتى بعد إدانة إبستين أول مرة في 2008 بتهمة القوادة مع قاصر. الصحفية الشهيرة “فانيسا غريغورياديس” وغيرها حاولن كشف الحقيقة، لكنهن صُدن بجدار من الصمت والتجاهل من قبل المؤسسات الإعلامية الكبرى.

لماذا؟ لأن من يملكون هذه المؤسسات هم أنفسهم من كانوا على قائمة ضيوف الجزيرة، أو هم جزء من النسيج الاجتماعي والاقتصادي نفسه الذي يخشى اهتزاز ثقة الجماهير بالنخبة الحاكمة. التحقيقات القانونية أيضاً شهدت مراوغات مريبة، حيث تم التفاوض على صفقة مشبوهة مع المدعي العام السابق أليكس أكوستا (والذي أصبح لاحقاً وزيراً للعمل في إدارة ترامب)، منحت إبستين حصانة شبه كاملة وخففت العقوبة إلى حد السخرية.

يتجلى في هذا التعامل ازدواجية المعايير في النظام القضائي الأمريكي، الذي يتشدق بالعدالة للجميع، بينما في الواقع هناك نظامان: نظام للعامة والفقراء، ونظام آخر للنخب والأثرياء وأصحاب النفوذ، خاصة أولئك المرتبطين بشبكات النفوذ الصهيوني. إنها عدالة الغرب التي تتهاوى أمام المال والسلطة، تماماً كما تتهاوى مبادئه الأخلاقية المزعومة عندما تصطدم بفساد نخبه. ويأتي هذا التعتيم ليكون الدليل العملي على تحذيرات السيد الحوثي المتكررة من أن وسائل الإعلام والمنصات العالمية هي أدوات في يد هذه القوى لـ”غسل الأدمغة” وإخفاء الحقائق، في نمط يتكرر تاريخياً في قضايا الفساد الكبرى التي تمس مصالح النخب المهيمنة.

النخبة المنحلة.. تحالفات الصهيونية الفاسدة

عندما بدأت الأسماء بالظهور في وثائق إبستين، لم يكن الأمر مفاجئاً للباحثين في المؤامرات الصهيونية، بل كان تأكيداً على ما كانوا يدركونه. القائمة تضم أسماء لامعة في عالم السياسة مثل الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون (والذي زار الجزيرة مرات عديدة حسب الوثائق)، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وآلان ديرشوفيتز المحامي اليهودي الشهير والمدافع المتحمس عن إسرائيل، بالإضافة إلى شخصيات بارزة من العائلة المالكة البريطانية.

الأمر الأكثر خطورة هو الروابط الوثيقة لإبستين مع الشخصيات الصهيونية البارزة في الأوساط الأكاديمية والعلمية. فقد مول بأمواله المشبوهة العديد من المشاريع البحثية التي تروج لأفكار تحسين النسل (Eugenics) وغيرها من الأفكار العنصرية التي تتفق مع الإيديولوجية الصهيونية المتعالية. كما كان صديقاً مقرباً للعالم اليهودي مارفن مينسكي، أحد رواد الذكاء الاصطناعي، مما يفتح الباب لتساؤلات خطيرة حول استخدام التكنولوجيا الحديثة في مشاريع السيطرة والتحكم العالمية.

تشكل هذه الشبكة من العلاقات نسيجاً متماسكاً، حيث استخدم إبستين، بصفته عضواً في المجتمع اليهودي النافذ، موقعه وثروته ليكون جسراً بين عالم المال الصهيوني وعالم النفوذ السياسي الغربي. إنها لعبة قديمة، يمارسها من يسمون أنفسهم “بناة العالم الجديد”، على حساب أخلاق البشر وكرامتهم. وهذا التغلغل هو التجسيد الحي لرؤية السيد الحوثي في تصويره لأمريكا كـ”أداة تنفيذية” للمشروع الصهيوني، حيث لا يقتصر دورها على الدعم السياسي والعسكري فحسب، بل يمتد إلى توفير الغطاء والحاضنة الاجتماعية والثقافية لأنشطة هذه الشبكات داخل أعلى المؤسسات الغربية نفسها.

الحضارة الأمريكية.. صناعة الرذيلة المنظمة

ما يحدث في فضيحة إبستين يعبر عن النموذج الغالب في الحضارة الغربية التي وصلت إلى حافة الهاوية الأخلاقية. هذه الحضارة التي تبنت العلمانية والليبرالية المتطرفة، وفصلت الدين عن الحياة، وصلت إلى مرحلة من الانحطاط حيث أصبحت الشهوات هي المعيار، والملذات هي الغاية. فضيحة إبستين هي ابنة شرعية لثقافة غربية تبيع الجنس وتسوّق للإباحية على أنها “حرية شخصية”، وتنظر إلى المرأة كسلعة يمكن استهلاكها.

وثائق إبستين تكشف أن هذا الانحطاط لم يعد مقتصراً على العامة أو الشوارع، بل تسلل إلى قمة هرم السلطة. الرجال الذين يديرون دولاً عظمى ويصدرون قرارات تتحكم بمصير ملايين البشر، هم أنفسهم من كانوا يمارسون أبشع الجرائم الأخلاقية في سراديب جزيرة الموتى. كيف يمكن الوثوق بقرارات سياسية أو اقتصادية تصدر عن عقول منهكة في الملذات ومتورطة في شبكات فساد؟

الغرب الذي يتحدث عن حقوق الإنسان ويرسل بعثات التفتيش إلى الدول الأخرى، يثبت من خلال هذه الفضائح أنه الأكثر احتياجاً لتفتيش ذاته. إنه النظام الذي ينتج أوبئة أخلاقية تبدأ من القمة لتنتشر في بقية الجسد الاجتماعي. حضارة بنيت على استعمار الشعوب ونهب خيراتها، لا يمكن إلا أن تنتج فساداً من هذا النوع في داخلها. وهذا ما يحذر منه السيد عبدالملك الحوثي بوضوح حين يتحدث عن تصدير “نمط الحياة الأمريكي المنحل” عبر الأفلام والإعلام ومنظمات المجتمع المدني الممولة، كجزء من مشروع لـ”تأسيس حضارة الاستهلاك والرذيلة”، وإسقاط المجتمعات في مستنقع أخلاقي يجعلها عاجزة عن المقاومة.

المشروع القرآني في مواجهة فساد الصهيونية

في خضم هذا المستنقع الأخلاقي، يتجلى بوضوح صدق الرؤية القرآنية التي حذرت منذ قرون من فساد بني إسرائيل ومكرهم. يقول تعالى في سورة الإسراء: “وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا”. فضيحة إبستين وما شابهها هي تجسيد معاصر لهذا الإفساد في الأرض، وذلك العلو الكبير الذي يمارسونه عبر سيطرتهم على مراكز المال والإعلام والسياسة.

هنا، يُستدعى القرآن كإطار تفسير حضاري، وليس مجرد شعار. فهو يقدم نظاماً أخلاقياً شاملاً يقوم على تقوى الله ومراقبته في السر والعلن، ويحفظ الكرامة الإنسانية ويصون الأعراض. النظام الأخلاقي في الإسلام، الذي يحرم الزنا ويحفظ حقوق الضعفاء ويحارب الاستغلال، هو النقيض التام للفوضى الأخلاقية التي أنتجت إبستين وشبكته.

إن ما يثبته الواقع اليوم هو أن المنظومة القيمية الغربية قد فشلت فشلاً ذريعاً في حفظ كرامة الإنسان، بينما تبقى تعاليم القرآن صالحة لكل زمان ومكان. صوابية المشروع القرآني تتجلى في قدرته على بناء مجتمع نظيف، تحكمه القيم السامية، وتُصان فيه حقوق الإنسان بحق، لا بالشعارات الزائفة. المواجهة اليوم ليست بين حضارات، بل بين مشروع فساد يقوده أتباع إبستين وأشباهه، وبين مشروع إصلاح تستعيد فيه الإنسانية قيمها الربانية. وهنا يأتي دور اليمن، كما يرسمه السيد الحوثي، ليس كمجرد ساحة قتال، بل “كخط دفاع عن الهوية والقيم والأخلاق”. فصمود اليمن في وجه العدوان هو في جوهره صمود لمنظومة قيمية ترفض الانحلال الذي تمثله ثقافة المستعمر، وتؤكد أن المقاومة هي دفاع عن الكرامة الإنسانية المتجذرة في الوحي ضد مشروع العبودية للشهوات الذي تروج له أمريكا وإسرائيل وأدواتهما.

الفضيحة التي لن تنتهي.. وصور الحضارة المنهارة

فضيحة جيفري إبستين ليست قضية مغلقة، بل هي باب مفتوح على عالم من الفساد الذي لم يكشف سوى النذر القليل منه. كل وثيقة تظهر، وكل اسم يُسرب، هو تأكيد جديد على حقيقة النظام العالمي الذي نعيش تحت ظله.

إنه نظام تتحكم به عصابات من المفسدين. يلبسون بدلات أنيقة ويتحدثون بلغة حقوق الإنسان، بينما قلوبهم مليئة بالشر. وأيديهم ملطخة بدماء الأبرياء وكرامة المستضعفين.

الوجه القبيح للصهيونية وأدواتها قد تجلى للعالم أجمع، لكن المعركة الحقيقية هي في كسر حاجز الخوف والتعتيم الإعلامي. إنها مقاومة محاولات تغييب العقول عن حقيقة الصراع. معركة بين قوى الاستكبار العالمي بقيادة الصهيونية وأمريكا، وبين الشعوب التواقة للتحرر والعدالة. وهي المعركة نفسها التي يحددها السيد عبدالملك الحوثي بأنها مواجهة شاملة تشمل الجانب العسكري والسياسي والثقافي والأخلاقي معاً.

على أرض اليمن، التي تقف صامدة في وجه هذه القوى الاستكبارية، ندرك أكثر من غيرنا عمق هذه المؤامرة وخطورتها. وقيادتنا الحكيمة التي تنهج نهج القرآن وتواجه المشروع الصهيوني الأمريكي، تقدم نموذجاً للمقاومة والوعي. فكما كشف اليمن الأسرار الخفية للعدو في ساحات القتال، ها هو يكشف عبر تقارير مثل هذه فسادهم الأخلاقي في عقر دارهم.

إن صمود اليمن هو إذن تجسيد عملي لرفض “الغزو الثقافي” و”حرب الفساد الأخلاقي” التي تشنها هذه القوى، وإثبات أن حصن القيم هو أساس حصن الأرض.

الفضيحة مستمرة. والحقيقة تنتصر. والغرب ينهار من داخله. وبقدر ما يعم الفساد، تبقى شعلة الحق متقدة في قلوب الأحرار في اليمن والعالم.

شهادة على زيف الحضارة الغربية. وصدق الرسالة القرآنية الخالدة. ومؤكدة على صوابية الرؤية التي تضع المواجهة الثقافية والأخلاقية في صلب معركة التحرر من الهيمنة الصهيونية الأمريكية.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.