شمخاني: أمريكا و”إسرائيل” عدو واحد والحرب إن فُرضت ستشعل الإقليم

صنعاء سيتي | تقرير خاص

 

في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تترقب فيها العواصم أنفاسها، أطل المستشار السياسي لقائد الثورة الإسلامية في إيران، الأدميرال علي شمخاني، ليس كدبلوماسي يلقي تصريحاً، بل كقائد عسكري يضع قواعد الاشتباك الجديدة.. بزته العسكرية لم تكن مجرد قطعة قماش، بل كانت الرسالة الأولى والأقوى: إيران في حالة جهوزية قصوى، وأن زمن الصبر الاستراتيجي قد ولى.

في مقابلة تاريخية مع قناة “الميادين”، فكك شمخاني شيفرات الموقف الإيراني، من الملف النووي الذي تحول إلى ورقة قوة تفاوضية، إلى معادلة الردع التي تدمج العدوين الأمريكي و”الإسرائيلي” في كيان واحد، معلناً بوضوح أن ابتلاع إيران لقمة سائغة هو وهم، وأن أي عدوان سيفتح أبواب الجحيم على المعتدين في المنطقة بأسرها.

*“اللاءات النووية الثلاث” وثمنها الباهظ

جدد الأدميرال شمخاني التأكيد على الموقف العقائدي والسياسي الإيراني المتمثل في “اللاءات الثلاث”: “إيران لا تسعى وراء سلاح نووي، ولن تذهب لإنتاج سلاح نووي، ولن تخزّن سلاحاً نووياً أبداً”. وأرجع هذا الموقف إلى فتوى قائد الثورة الإسلامية بتحريم إنتاج وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وهو أمر “لا يتم تبديله”. لكن هذه اللاءات لم تأتِ مجاناً؛ فمقابلها، يطالب شمخاني الطرف الآخر بـ”دفع الثمن”.

وفي هذا السياق، رفض بشكل قاطع أي طرح لنقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، مؤكداً أن البرنامج النووي الإيراني “سلمي وضمن قدرات محلية”.. وأوضح أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% هو ورقة قوة لمواجهة “مؤامرات الأعداء” والاستعداد للتفاوض، مع إمكانية تخفيضه إلى 20% إذا كان الغرب قلقاً، ولكن ليس قبل الحصول على مقابل.

*شروط الحوار مع “الشيطان الأكبر”: لا تهديد، لا أوامر، والنووي فقط

كان شمخاني واضحاً في تحديد هوية الطرف المقابل في أي مفاوضات جادة: “الولايات المتحدة الأمريكية فقط”.. هذا التحديد ليس مجرد تجاهل لأوروبا، التي وصف دورها بالعاجز منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، بل هو إقرار بالواقعية السياسية بأن واشنطن هي صاحبة القرار.

لكن هذا الحوار المباشر المحتمل ليس شيكاً على بياض. لقد وضع له شمخاني شرطين أساسيين لا يمكن تجاوزهما:

أولاً: الابتعاد عن أجواء التهديد: أي أن تجلس واشنطن إلى الطاولة وهي قد تخلت عن عصا العقوبات والتلويح بالخيار العسكري.

ثانياً: الابتعاد عن الأوامر غير المنطقية: أي أن تكون المفاوضات بين ندين، لا بين طرف يملي شروطه وآخر يذعن.

كما حصر شمخاني إطار التفاوض بشكل صارم بالموضوع النووي فقط، قاطعاً الطريق على أي محاولة أمريكية لربط الملف النووي ببرنامج إيران الصاروخي أو نفوذها الإقليمي، وهي الملفات التي تعتبرها طهران خطوطاً حمراء تمس سيادتها وأمنها القومي.

*معادلة “الهدف الواحد”: ضرب أمريكا يعني ضرب “إسرائيل”:

هنا تكمن ذروة الرسائل الاستراتيجية في مقابلة شمخاني.. فعندما سُئل عن الرد على “إسرائيل” إذا ضربت أمريكا، جاء جوابه قاطعاً وحاسماً: “حتماً أكيد”.. لم يترك أي مجال للتأويل، بل أسس لعقيدة ردع جديدة تقوم على أن “إسرائيل وأمريكا ليستا عنصرين مختلفين، بل هما شيء واحد”.

هذه المعادلة تلغي فكرة الحرب بالوكالة أو إمكانية قيام واشنطن بضربة “نظيفة” دون تورط حليفها الاستراتيجي.. شمخاني يقول بوضوح إن أي رصاصة أمريكية ستُعتبر رصاصة “إسرائيلية”، وإن الرد سيكون متناسباً وموجهاً لكليهما.

هذا التحذير لا يهدف فقط إلى ردع واشنطن، بل يهدف بشكل أساسي إلى تحميل “إسرائيل” مسؤولية أي مغامرة أمريكية، وجعلها تدرك أنها ستكون في قلب العاصفة وأول من يدفع الثمن.. إنها رسالة تهدف إلى تفكيك أي تنسيق عدواني عبر رفع كلفته إلى مستوى لا يطاق.

*الحرب الشاملة والجهوزية القصوى.. “ابتلاع إيران مستحيل”:

بارتداء بزته العسكرية، بعث شمخاني برسالة جهوزية عملية، مؤكداً أن إيران “تعيش ظروف الحرب فعلياً وتشعر بظلالها”، وأنها مستعدة تماماً لأي سيناريو.. لكنه في المقابل، أكد أن هذه الجهوزية لا تعني السعي للحرب، بل الاستعداد لفرض السلام بقوة الردع.

وصفه لمحاولة الأعداء “ابتلاع إيران” بأنها ستكون “لقمة تعلق في حلوقهم” ليس مجرد شعار، بل هو تعبير عن ثقة راسخة بقدرة الدولة على الصمود والرد.. هذه الثقة تستند إلى عقود من مواجهة الضغوط، وإلى قدرات عسكرية محلية الإنتاج “ليس لها أي محدودية”، وإلى عمق استراتيجي يمتد في المنطقة.

كما حذر من أن أي حرب لن تبقى محصورة في الجغرافيا الإيرانية، بل ستتمدد لتشمل كل القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، مؤكداً أن “صبر” حرب الأيام الاثني عشر الماضية “لن يتكرر”.

*قائد الثورة.. خط أحمر ومعادلة ردع:

أكد الأدميرال علي شمخاني أنّ قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي يُشكّل “الدعامة الأساسية للجمهورية الإسلامية وقلب منظومة القرار والقيادة”، محذرًا من أنّ أي اعتداء يستهدف سماحته، مهما كان محدودًا، سيتحوّل إلى أزمة كبرى شاملة تتجاوز كل الحسابات العسكرية والسياسية التقليدية.

وأشار شمخاني إلى الدور الحاسم الذي أدّاه قائد الثورة خلال المواجهات السابقة، ولا سيما في ملء الفراغ القيادي الذي أحدثته الاغتيالات خلال ساعات معدودة، حيث تولّى بنفسه إدارة القرار وإعادة ضبط القيادة والسيطرة، واتخاذ القرارات المصيرية في أكثر اللحظات حساسية.
وبيّن أنّ هذا الدور يعكس مركزية القيادة وقوة السيطرة المدنية للقائد العام للقوات المسلحة، ويؤكد “أنّ استهداف هذه الدعامة ليس خيارًا آمنًا للعدو، بل معادلة ردع قائمة بحد ذاتها ستفتح الباب على تداعيات إقليمية واسعة”.

*دعم المقاومة.. هوية الثورة وسبب الاستهداف:

في ختام مقابلته، ربط شمخاني كل ما تتعرض له إيران من ضغوط وعداءات بسبب جوهري واحد: دعمها لخيار المقاومة في المنطقة.. حيث أكد أن هذا الدعم لفلسطين ولبنان وغيرها ليس ورقة تكتيكية، بل هو جزء من هوية الجمهورية الإسلامية وسياستها الثابتة التي لن تتغير.

بهذا التأكيد، يرسل شمخاني رسالة لمحور المقاومة بأن إيران ستبقى ظهيراً وسنداً، ورسالة للأعداء بأن محاولة فك هذا التحالف عبر استهداف إيران ستبوء بالفشل، لأن هذا الدعم هو سبب وجود وليس مجرد سياسة عابرة.. إنها معادلة واضحة: أمن إيران من أمن حلفائها، واستهدافها هو استهداف للمحور بأكمله.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.