السعودية تعاكس إرادة الحرب: لا ثقة بالمظلّة الأميركية

صنعاء سيتي | صحافة

 

بات واضحاً أن السعودية تقف في صفّ مناهضي الحرب على إيران، ليس حباً منها بجارتها التي تربطها بها علاقة شائكة ومعقّدة – على الرغم من توصّلهما إلى اتفاق لتطبيع العلاقات -، بل تحسّباً منها لتداعيات أي حرب من هذا النوع عليها وعلى الإقليم، خصوصاً مع توعّد طهران بتحويل أي عدوان عليها إلى حرب إقليمية.
في هذا السياق، تبرز القناعة السعودية غير الخافية بفشل الاستجابة الأميركية لمطالب المملكة المتكرّرة بتوفير حماية فعلية ومظلّة أمنية وصاروخية موثوقة لها، بعدما اختُبرت هذه الضمانات في أكثر من محطة، وتبيّنت محدوديتها أو غيابها عند الحاجة. ولقد ثبت ذلك خصوصاً في حرب اليمن، حيث أخفقت منظومات الدفاع الجوي التي تملكها السعودية في تحقيق ردع فعّال في مواجهة الصواريخ والطائرات المُسيّرة اليمنية، ومنْعها من استهداف المواقع الحيوية داخل المملكة، رغم سنوات من الاعتماد عليها والاستثمار فيها.

ولعلّ التحوّل الأكبر والأكثر إيلاماً في هذا السياق، تمثّل في الموقف الأميركي الذي اتّسم بقدر غير مسبوق من اللامبالاة إزاء الهجمات التي استهدفت منشآت «أرامكو» النفطية في بقيق وخريص عام 2019. والواقع أن تداعيات تلك اللحظة، امتدّت إلى ما تلاها من اختبارات متعمّدة أجرتها الرياض لقياس صدقية الالتزامات الأميركية، من دون أن تُفضي الوعود المعلنة من جانب واشنطن إلى إجراءات حماية ملموسة أو التزامات أمنية مباشرة توازي حجم الشراكة التاريخية بين البلدين. لا بل إن بعض تلك الاختبارات أظهرت أن الولايات المتحدة لا تتورّع عن الاستفادة من تأثيرات الهجمات في تعزيز مصالحها الخاصة، خصوصاً لناحية تحديد أسعار النفط وفقاً لما يلائم اقتصادها.
كلّ ذلك دفع السعودية إلى البحث عن بدائل استراتيجية خارج المظلّة الأميركية التقليدية. وفي هذا السياق، جاء قرارها توقيع اتفاق المصالحة مع إيران برعاية صينية عام 2023، ليبعث برسالة واضحة مفادها أن المملكة باتت تتبنّى مقاربة أكثر استقلالية وتعدّدية في خياراتها الدولية، بعيداً عن الارتهان الأُحادي للولايات المتحدة. كذلك، نظرت السعودية إلى الاندفاعة الأميركية غير المسبوقة لتقديم كل أشكال الدعم العسكري لإسرائيل خلال حربها على قطاع غزة، بعين من الحسرة والقلق، باعتبارها إشارة إضافية إلى اختلال عميق في ميزان الشراكة مع واشنطن، إذ بدا واضحاً للرياض أن الولايات المتحدة لا تتعامل معها بوصفها حليفاً استراتيجياً متكافئاً، بل كدولة وظيفية تُستدعى عند الحاجة لخدمة أولويات المشروع الأميركي في المنطقة، وهو ما يتناقض مع حجم المملكة وثقلها الجيوسياسي ومكانتها المركزية في العالمين العربي والإسلامي.

التجارب المريرة مع واشنطن تدفع الرياض إلى الحذر والبحث عن بدائل

وعلى هذا الأساس، لم تنخرط السعودية في كلّ من تحالف «حارس الازدهار» الأميركي و«أسبيدس» الأوروبي في البحر الأحمر، ليس فقط لأن هذين التحالفين خُلقا أساساً لحماية المصالح الإسرائيلية، وقد تُسبِّب المشاركة فيهما إحراجاً أمام الرأي العام العربي، بل أيضاً كردّ فعل استراتيجي على ترك المملكة من دون مظلّة أمنية خلال الهجمات اليمنية. ونُقل حينها عن مصادر دبلوماسية واستخباراتية أن كلاً من السعودية والإمارات اشترطت، لأي مشاركة محتملة في هذا العدوان، أن يكون الهدف واضحاً ومباشراً، ويتمثّل في إنهاء تهديد «أنصار الله»، لا الاكتفاء بعمليات محدودة تخدم الأمن الإسرائيلي فقط.

ومن هنا، تتّضح خلفية التناقض بين الموقف الرسمي السعودي الرافض لأي عدوان أميركي على إيران، وما سُرّب عن وزير الدفاع، خالد بن سلمان، ونفتْه المملكة، من أن الاكتفاء بتوجيه ضربة محدودة إلى النظام الإيراني قد يُعزّز موقفه داخلياً وخارجياً. والواقع أن التباين هذا يتجلّى بوضوح في الإعلام السعودي، الذي يميل بعضه، مثل «العربية» و«الحدث»، إلى تبنّي السردية الأميركية في التصعيد ضدّ إيران، فيما تنشر وسائل إعلام محلية مواد مناهضة لإسرائيل، خصوصاً في ما يتعلق بالشأن اليمني، مع توجيه اتهامات إلى أبو ظبي بالارتماء في أحضان تل أبيب.

وكانت عمدت بعض الصحف إلى فضح الشراكة الإسرائيلية – الإماراتية في الاستثمار في المواقع الاستراتيجية اليمنية، ولا سيما في الجزر. ونشرت صحيفة «الوطن» السعودية تفاصيل اكتشاف شبكة تجسّس ضخمة، وُصفت بأنها ظلّت غير مرئية لعقود في جزيرة سقطرى، مخصّصة لمراقبة حركة السفن التجارية والحربية العابرة للمحيط الهندي وخليج عدن. ونقلت الصحيفة عن مصادر خاصة، أن الشبكة كانت تُستخدم لمراقبة الغواصات والسفن الحربية التابعة لدول عدة، من مثل الصين وتركيا وباكستان ومصر، إضافة إلى دول «مجلس التعاون الخليجي»، بما فيها السعودية. كما راقبت المنظومة نفسها الاتصالات العسكرية والتجارية العابرة للمياه الإقليمية، مع تتبّع البصمات الصوتية للسفن والغواصات عبر مجسّات غاطسة في أعماق البحر بالقرب من الموانئ. ووفقاً لتلك المعلومات نفسها، فإن جزر أرخبيل سقطرى تحوّلت إلى منصات وقواعد للمراقبة الاستراتيجية، تمنح القدرة على جمع معلومات دقيقة عن تحرّكات القوى الإقليمية والدولية في أحد أهم الممرات الملاحية العالمية.

 

 

*لقمان عبدالله: الاخبارية اللبنانية

التعليقات مغلقة.