واشنطن كما هي لا كما تقول… نظرة في مشروع الغطرسة الأمريكية كما يفضحه مسارها التاريخي

صنعاء سيتي | تقرير خاص

لا يمكن قراءة السلوك الأمريكي في العالم من خلال خطابه الرسمي، ولا عبر مفردات “حقوق الإنسان” و“حماية المدنيين” التي تتكرر في كل بيان صادر عن واشنطن عند أي أزمة أو اضطراب. هذه اللغة، كما يوضح السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، ليست سوى واجهة تضليل سياسي وإعلامي، تُستخدم لتغطية مشروع مختلف تمامًا في جوهره وأدواته وغاياته. فالمشروع الأمريكي، حين يُقرأ بميزان الوقائع لا الشعارات، يقوم على ثلاثية واضحة: الاستهداف، الاستحواذ، والسيطرة، مقرونة بنهب الموارد وإزاحة أي قوة أو نظام أو وعي شعبي يمكن أن يشكّل عائقًا أمام تمدده.

هذا الفهم لا يأتي من موقف أيديولوجي أو خصومة سياسية ظرفية، بل من قراءة تاريخية وسلوكية متراكمة لمسار الولايات المتحدة منذ نشأتها وحتى اليوم. من إبادة السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، إلى التدخلات العسكرية المباشرة، إلى الحروب النووية والكيميائية، وصولًا إلى أدوات “الفوضى الناعمة” عبر العقوبات والاختراق الإعلامي وتحريك الشارع، تتكرر القاعدة نفسها بأشكال مختلفة. من هنا، ينطلق هذا التقرير من رؤية السيد عبدالملك الحوثي بوصفها إطارًا تحليليًا يفسّر السلوك الأمريكي عبر الأحداث والوقائع، ويكشف الهوة العميقة بين ما ترفعه واشنطن من شعارات، وما تمارسه فعليًا على أرض الواقع.

إيران… حين يفشل مشروع الفوضى

في الحالة الإيرانية، حاولت الولايات المتحدة تطبيق النموذج الذي راكمت خبرته في دول متعددة: خلق حالة فوضى داخلية، الاستثمار في الاحتجاجات، تحريك مجموعات تخريبية، وتضخيم إعلامي واسع يهدف إلى ضرب الثقة بين الدولة والمجتمع، تمهيدًا لإضعاف النظام من الداخل دون كلفة عسكرية مباشرة. هذا النموذج، الذي جرى تسويقه تحت عناوين “الدفاع عن حقوق الإنسان” و“دعم تطلعات الشعب”، كان في جوهره محاولة لإعادة إنتاج سيناريوهات نجحت واشنطن في فرضها سابقًا في ساحات أقل تماسكًا.

غير أن ما حدث في إيران، كما يؤكد السيد عبدالملك الحوثي، شكّل إخفاقًا واضحًا لهذا المشروع. فالأدوات التي راهنت عليها واشنطن انهارت، والعصابات التي حُرّكت فقدت قدرتها على التأثير، وعاد التماسك الداخلي ليفرض نفسه بقوة. الأهم من ذلك أن الرهان الأمريكي على إنهاك الدولة من الداخل فشل رغم الدعم الخارجي السياسي والإعلامي واللوجستي الكبير، ما كشف حدود هذا النموذج حين يواجه مجتمعًا يمتلك وعيًا سياسيًا وهوية راسخة.

هذا الفشل يحمل دلالة استراتيجية عميقة. فهو يثبت أن المشروع الأمريكي ليس قدرًا محتومًا، وأنه يعتمد في نجاحه على هشاشة الداخل أكثر مما يعتمد على قوته الذاتية. حين لا تتوفر بيئة قابلة للاختراق، وحين يمتلك المجتمع أدوات المناعة السياسية والثقافية، تتحول الفوضى المخططة إلى عبء على صانعها بدل أن تكون وسيلة ضغط فعالة.

وهنا تتجلى الفكرة المركزية التي يشدد عليها السيد الحوثي: الوعي والاستقلال والهوية ليست شعارات خطابية، بل عناصر قوة عملية. إنها خطوط الدفاع الأولى التي تُفشل المشاريع الخارجية، وتحوّل محاولات الاختراق إلى فرصة لتعزيز التماسك الداخلي، بدل أن تكون مدخلًا للانهيار.

غرينلاند… منطق الاستحواذ حين لا يكفي النفوذ

ما يجري حول جزيرة غرينلاند يقدم مثالًا معاصرًا فاضحًا لمنطق التفكير الأمريكي. فالولايات المتحدة، بحسب ما أوضحه السيد عبدالملك الحوثي، تمتلك بالفعل قواعد عسكرية على الجزيرة، وتتمتع بحرية حركة واسعة، كما أن الدنمارك والجهات المحلية فتحت لها المجال للاستثمار الاقتصادي والاستفادة من الموارد، بل وحتى تعزيز الحضور العسكري. ومع ذلك، لم تكتفِ واشنطن بكل هذا النفوذ، وذهبت إلى ما هو أبعد: السعي إلى الاستحواذ الكامل والسيطرة المباشرة.

هذه الحالة تكشف زيف الخطاب الأمريكي حول “الشراكة” و“التعاون الدولي”. فحين تُفتح الأبواب أمامها، لا تتوقف عند حد النفوذ، وحين تُمنح الامتيازات، لا تعتبرها كافية. الموقع الجيوسياسي الحساس لغرينلاند، وثرواتها من المعادن النادرة، جعلاها هدفًا استراتيجيًا، لكن الطريقة التي تتحرك بها واشنطن تؤكد أن منطقها ليس استثمارًا متبادلًا، بل مشروع ضمّ تدريجي يبدأ بالقواعد وينتهي بالسيادة.

ولهذا اعتبر السيد الحوثي ما يجري في غرينلاند درسًا بالغ الأهمية لشعوب الأمة وأنظمتها. فالتجربة تثبت أن التنازلات لا تُشبع الأطماع، وأن فتح المجال لا يقود إلى علاقة متوازنة، بل يسرّع منطق السيطرة. وما يبدو اليوم ملفًا جغرافيًا بعيدًا، هو في الحقيقة صورة مصغّرة لمشروع أمريكي يتكرر في مناطق مختلفة من العالم، بأدوات وأساليب متشابهة.

فنزويلا… البلطجة الصريحة حين يكون الهدف النفط

في القارة اللاتينية، يتخذ المشروع الأمريكي شكله الأكثر وقاحة ووضوحًا، وتبرز فنزويلا كنموذج صارخ لذلك. كما أشار السيد عبدالملك الحوثي، لم تكتفِ الولايات المتحدة بالعقوبات الاقتصادية الخانقة، بل مارست بلطجة سياسية مكشوفة، وصلت إلى محاولات اختطاف القيادة، وهي لا تخفي هدفها الحقيقي: النفط، الثروة، والموقع الجيوسياسي.

في الحالة الفنزويلية، تسقط الأقنعة بسرعة. الخطاب الأمريكي هنا أقل تزويقًا، لأن منطق القوة والمصلحة يُقدَّم بصراحة غير مسبوقة. الضغط الاقتصادي يُستخدم كسلاح تجويع، والعزل السياسي كوسيلة خنق، بينما يُراد للشعب أن يدفع ثمن صراع لا علاقة له بحقوقه أو رفاهيته، بل بموقع بلاده في خريطة الموارد العالمية.

ولا تنفصل فنزويلا عن السياق الأوسع في القارة اللاتينية. من غواتيمالا إلى تشيلي وبنما، تتكرر الأنماط نفسها: انقلابات مدعومة، أنظمة أُطيح بها، اقتصادات دُمّرت، وشعوب تُركت في دوامات فوضى طويلة الأمد. وكما قال السيد الحوثي، فإن التفاصيل تطول، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، لكنها جميعًا تؤكد حقيقة واحدة: أمريكا لا تقبل باستقلال حقيقي، ولا تسمح بقرار سيادي خارج إرادتها.

الأخطر في التجربة اللاتينية أنها تفضح زيف الخطاب الأمريكي بالكامل. فالديمقراطية لم تكن يومًا هدفًا، والاستقرار لم يكن أولوية، بل كان المطلوب دائمًا إبقاء هذه الشعوب في حالة ضعف دائم، بما يضمن استمرار الهيمنة والتحكم.

السجل التاريخي الأسود… القوة العارية بلا أقنعة

حين تفشل الأدوات السياسية والاقتصادية، لا تتردد الولايات المتحدة في استخدام القوة العارية. ما فعلته في اليابان باستخدام السلاح النووي لم يكن مجرد قرار عسكري لإنهاء حرب، بل إعلان استعداد لاستخدام أقصى درجات التدمير بحق المدنيين لتحقيق التفوق. مئات الآلاف سقطوا، ولا تزال آثار الإشعاع شاهدًا حيًا على منطق لا يعترف بأي قيمة إنسانية حين تتعارض مع المصلحة.

في فيتنام، تكرر المشهد بأسلوب مختلف، لكن بالجوهر ذاته. أسلحة كيميائية، تدمير بيئي واسع، وتشويه أجيال كاملة. الحرب هناك لم تكن دفاعًا عن الحرية كما رُوّج لها، بل محاولة لفرض نموذج سياسي بالقوة، وانتهت بهزيمة عسكرية وأخلاقية كشفت حدود القوة حين تصطدم بإرادة شعب.

أما في منطقتنا، فإن العراق يمثل مثالًا حديثًا على هذا السجل. حرب شُنت بذريعة أسلحة لم تُوجد، دولة فُككت، مجتمع دُمّر، ومئات الآلاف من الضحايا، دون أن يتحقق أي من الشعارات التي رُفعت. كل ذلك يؤكد ما شدد عليه السيد الحوثي: المشاريع العملية شيء، والعناوين المرفوعة شيء آخر تمامًا.

حين تسقط الأقنعة… ويبقى منطق الهيمنة

ما يكشفه هذا المسار، من إيران إلى غرينلاند، ومن فنزويلا إلى أرشيف الحروب، هو أن الولايات المتحدة ليست راعية حقوق، بل مدير مشروع هيمنة عالمي. تتغير الأدوات، تتبدل العناوين، لكن الجوهر ثابت: السيطرة على القرار، ونهب الموارد، وإخضاع الشعوب، مهما اختلفت الجغرافيا والذرائع.

ومن هنا، تبرز أهمية ما يطرحه السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي: أن خلاص الأمة لا يكون بالارتهان، ولا بالانخداع بالشعارات، بل بالتحرك الحر المستقل، المستند إلى وعي عميق وهوية صلبة. التاريخ يثبت أن الأمم التي تفهم طبيعة عدوها، وتبني قوتها من داخلها، قادرة على كسر مشاريع الاستحواذ، مهما بدا أصحابها أقوياء.

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.