اليمن بين استنزاف الصراع ووَهْمُ اختلاف المشغّلين
صنعاء سيتي | مقالات | جميل المقرمي
لم يعد الصراع في اليمن مُجَـرّد مواجهة سياسية أَو عسكرية بقدر ما أصبح نزيفًا مفتوحًا في جسد الوطن، تُدار فصوله بأدوات محلية وواجهات متعددة، بينما يبقى المشغّل واحدًا وإن اختلفت الأدوار وتبدلت الأقنعة.
والرهان المُستمرّ على اختلاف المشغّلين، أَو التعويل على صراعاتهم البينية، لم ينتج سوى مزيد من التمزق، واتساع الشرخ، وارتفاع كلفة الدم والدمار على اليمنيين وحدَهم.
إن ما نشهده اليوم من إعادة تموضع، وضخ إعلامي بخصوص جرائم الإمارات، وتحَرّكات قانونية انتقائية، ليس سوى محاولة للهروب إلى الأمام، وتدوير للأزمة لا حلّها.
فبقاء عيدروس الزبيدي متخفيًا، وما يسمى بالمجلس الانتقالي بشقيه، أحدهما الذي أعلن حلّه شكليًّا تحت المظلة السعوديّة، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من محاولات تبرئة الذات، وإعادة إنتاج الوجوه ذاتها، كما حدث سابقًا مع المدعو علي محسن الأحمر وبقية الشلة التي التحقت بالثورة لا انتصارًا لها، بل هروبًا من سجلٍ ثقيل بالجرائم والانتهاكات.
سياسة “الكرت المخدوش” وتبادل الأدوار
إن سياسة (الكرت المخدوش) التي يجري استخدامها اليوم، عبر تقديم بعض الأدوات ككبش فداء، لن تعفي بقية الشلة ولا مشغليهم من المساءلة.
فالقضية لا تتجزأ، والحقوق لا تسقط بالتقادم، والملفات حين تُفتح لا تميّز بين من كان في أبوظبي أَو في الرياض.
وما يُمارَسُ من حشد إعلامي ضد عيدروس الزبيدي ومن معه، والحديث عن السجون السرية، ومخازن السلاح التي أُنشئت تحت غطاء إنساني، يظن البعض أنه سينجو منها، بينما الحقيقة أن هذه المِلفات تطال الجميع، خُصُوصًا الأدوات التي استُهلكت وانتهى دورها.
قد ينجح الممولُ في الانكفاء المؤقت، وقد يعيد ترتيب أوراقه، لكن الجرائم والانتهاكات ستبقى شاهدة، لا تُمحى بتغيير الخطاب ولا بتبديل الوجوه.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتجاهله الخطاب الرسمي للتحالف: ما هو دور السعوديّة نفسها في هذه الجرائم والانتهاكات التي تذرف عليها اليوم دموع التماسيح؟
سجلُّ العدوان والوصاية المفروضة
الجميع يعلمُ أن السعوديّةَ هي من قادت تحالفَ العدوان على اليمن وأن سجلها في اليمن حافل بجرائم يندى لها جبين الإنسانية؛ من القتل المباشر بالطيران للنساء والأطفال، إلى استهداف البنية التحتية، والحصار والتجويع، وقطع رواتب الموظفين، ونهب الثروات، والتعامل مع اليمن وكأنه تركة بلا ورثة، أَو مال أيتام لم يبلغوا الرشد.
الوصاية المفروضة بالقوة لم تنتج دولة، ولم تصنع استقرارًا، بل عمّقت الفوضى وأطالت أمد العدوان..
وهذا كله تحت غطاء دولي وصمت أممي ومشاركة أمريكية وصهيونية وتحت شرعية مزعومة ومصطنعة.
اليوم، باتت هذه الحقيقة أكثر وضوحًا لدى اليمنيين في الشمال والجنوب على حَــدّ سواء.
وأصبح واضحًا أن استمرار الرهان على مشاريع التقسيم، أَو على قيادات كرتونية صُنعت في غرف الخارج، لن يقود إلا إلى مزيد من الخراب.
إن المرحلة تتطلب توحّد اليمنيين حول مشروع وطني جامع، وقيادة أثبتت، رغم كُـلّ التحديات، قدرتها على مواجهة الطغيان والإرهاب والفساد، ورفضت صراحة كُـلّ مشاريع التقسيم.
صنعاء كصمام أمان والوحدة كضرورة
ولنكن صريحين: لو افترضنا – جدلًا – سقوط هذه القيادة الوطنية في صنعاء، وهو رهان فاشل ومستحيل في ظل مستوى الوعي الشعبي، فإن اليمن لن تقوم له قائمة لعقود؛ لأن من يراهنون على هذا السيناريو يعلمون يقينًا أنهم فاشلون، لكنهم يواصلون إطالة أمد العدوان بحثًا عن اختراق هنا أَو مكسب هناك، أَو انتظار تدخل القدر.
إن الواجب الوطني اليوم يفرض على اليمنيين التفكير بمستقبل الأجيال القادمة، لا بمصالح نخب مؤقتة.
يفرض عليهم التخلي عن القيادات التي بنت ثرواتها ومشاريعها على دماء اليمنيين، واستثمرت معاناتهم في بنوك الخارج.
الوحدة اليوم ليست شعارًا عاطفيًّا، بل ضرورة وجودية.
فاليمن لن يُنقذ بتبديل الوكلاء، ولا بتلميع الواجهات، بل بإرادَة وطنية صادقة، تعيد الاعتبار لليمن كدولة، لا كغنيمة.
التعليقات مغلقة.