البُوصلة القرآنية: إعادة تعريف العدوّ والهُوية في اليمن والإقليم

صنعاء سيتي | مقالات | فهد شاكر أبوراس

 

 

لم تكن انطلاقة الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) مُجَـرّد رد فعل عابر، بل كانت لحظة تأسيسية لمشروع قرآني أعاد صياغة الواقع اليمني والإقليمي من الجذور، منطلقًا من رحم ثلاثة أبعاد معقدة:

 

أولًا: أبعادُ الضرورة.. لماذا انطلق المشروع؟

البعد العالمي (الهزيمة الشاملة): في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، وتحت شعار “مكافحة الإرهاب”، اجتاحت أمريكا المنطقة (أفغانستان والعراق) وسط خنوع رسمي عربي مهين، مما خلق فراغًا أخلاقيًّا وسياسيًّا.

البعد الوطني (أزمة الهُوية): عانى اليمن من التبعية المطلقة للغرب بعد حرب 1994، مع ظهور تيارات تكفيرية مدعومة خارجيًّا هدّدت الهُوية الإيمانية لليمنيين.

البعد الفكري (عقم الأيديولوجيات): خبت جذوة القومية واليسارية، وبدت الخطابات الإسلامية التقليدية إما عاجزة أَو مرتبطة بالسلطة، فبرزت الحاجة لـ “بوصلة قرآنية” بديلة.

 

ثانيًا: الركائزُ التأسيسيةُ للمشروعِ القرآني

لم يرتكز المشروع على أيديولوجيا بشرية، بل جعل من القرآن الكريم المرجعية الوحيدة والمنطلق والمقياس، وتلخصت أبعاده في:

بناء الإنسان الرسالي: صناعة الفرد الواعي الذي يفهم عصره ويتحصن إيمانيًّا قبل أي عمل عسكري.

التوعية الشاملة: عبر أكثر من مئة “درس قرآني” غطت العقيدة والسياسة وفقه الجهاد، مشكلةً المنظومة الفكرية للحركة.

الشعار (الصرخة): “الهُوية الصوتية” التي حدّدت العدوّ وكسرت ثقافة الخنوع، لتكون خطًا فاصلًا بين المقاومة والاستسلام.

الصبر الاستراتيجي: الاعتماد على القوة الذاتية وتربية “النواة” المخلصة دون طلب العون الخارجي.

 

ثالثًا: من “الولادة” إلى “التمكين العالمي”

كان عام 2004 مفصليًّا؛ حَيثُ استُهدف المشروع عسكريًّا واستشهد السيد حسين، لكن استشهاده كان “ولادة جديدة” حوَّلت الحركة من نطاق صعدة إلى رمز وطني:

قيادة السيد عبدالملك (حفظه الله): طوّر البنية التنظيمية، محولًا “أنصار الله” من مجموعة محلية إلى قوة وطنية قادت ثورة 21 سبتمبر 2014.

مركزية القوة: بفضل هذا المنهج، تحول “الهامش الجغرافي” في صعدة إلى “مركز جذب” دولي يتحدى اليوم كُـلّ المعادلات الإقليمية والدولية.

الخلاصة: المشروع القرآني ليس حركةً طائفيةً ولا مُجَـرّد حركة مسلحة، بل هو “استجابة مركبة لواقع مركب”. لقد نجح الشهيد القائد في إعادة تعريف الهُوية الإيمانية والوطنية، ليصنع أُمَّـة تأبى الضيم وتتطلع لسيادة الله في أرضه.

التعليقات مغلقة.