أمريكا وصناعة الفوضى: حين تتحوَّلُ الأُحادية إلى عقيدة حرب
صنعاء سيتي | مقالات | شاهر أحمد عمير
لم تدخل أمريكا بلدًا في تاريخها الحديث إلا وخرجت منه مثقلة بآثار الدمار السياسي والأمني والثقافي، حتى غدا هذا المسار سمةً ثابتةً لأي تدخل أمريكي، مهما اختلفت الشعاراتُ أَو تبدلت الإدارات.
فالمسألة لم تكن يومًا مرتبطة بشخص رئيس أَو حزب حاكم، بل بعقيدة متجذرة ترى في العالم ساحة نفوذ مفتوحة، وفي الشعوب مشاريع خضوع مؤجلة.
ومن يتأمل سجل أمريكا منذ نشأتها، يدرك أن الحروبَ لم تكن استثناء في تاريخها، بل القاعدة التي قامت عليها، وأن السلام في قاموسها لا يعني غياب السلاح، بل غياب من يجرؤ على الاعتراض.
تقدّم أمريكا نفسها بوصفها حامية للنظام الدولي، لكنها في الواقع أكثر من قوّض هذا النظام حين تعارض مع مصالحها.
فهي لا تعترف بالسيادة إلا للدول التابعة، ولا تحترم القوانين الدولية إلا إذَا تحولت إلى أدَاة ضغط على خصومها.
وهكذا تحولت الديمقراطية إلى لافتة انتقائية، تُرفع في وجه من يرفض الهيمنة، وتُطوى فورًا حين يتعلق الأمر بحليف ينفذ الأوامر دون نقاش.
هذا التناقض الفاضح لم يعد خافيًا على الشعوب، بل أصبح أحد أبرز أسباب تآكل الهيبة الأمريكية عالميًّا.
الحروب الخارجية الأمريكية ليست استعراضَ قوة بقدر ما هي تعبير عن خوف عميق من عالم يتغيّر.
فالأحادية التي انفردت بها أمريكا عقب سقوط الاتّحاد السوفيتي بدأت تتصدع، وصعود قوى دولية وإقليمية رافضة للهيمنة كشف محدودية القدرة الأمريكية على التحكم بمسار التاريخ.
ومع كُـلّ فشل عسكري مباشر، انتقلت أمريكا إلى أدوات أكثر خطورة، تقوم على تفكيك الدول من الداخل، وإشعال النزاعات الطائفية والمناطقية، وفرض العقوبات الخانقة، وتجويع الشعوب تحت عناوينَ براقة كـ“الضغط السياسي” و“حماية الاستقرار”.
وفي هذا السياق، لم تعد أمريكا مُجَـرّدَ طرف في الصراعات، بل تحولت إلى راعٍ دائم للفوضى، ومهندس للأزمات، توظف الحروب والفتن وسيلة لنهب الثروات وإخضاع الدول الضعيفة، خُصُوصًا في العالمين العربي والإسلامي.
فحيثما حلّت، حلّت معها الانقسامات، وتفكَّكت المؤسّسات، وتحوّل العنف إلى أدَاة حكم، بما يخدِمُ مصالحَها الاستراتيجية بعيدة المدى.
ولأن الدولةَ القوية الواعية تشكّل تهديدًا مباشرًا لمشروع الهيمنة، كان لا بد من استهداف البنية الثقافية والدينية للمجتمعات المستهدفة.
فالتدخل لا يتوقفُ عند إسقاط الحكومات أَو إنهاك الجيوش، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل الوعي، وتفريغ القيم من مضمونها، ومحاولة تطويع الدين ليصبح أدَاةً خاضعةً للسياسة الأمريكية.
فالدين الذي يحفّز على المقاومة يُصنَّف تطرفًا، بينما يُلمَّع التدين المفرغ من أي موقف أخلاقي أَو تحرّري.
وهكذا تتحول المعركة من صراع مصالح إلى صراع هُوية ووعي.
وفي قلب هذا المشروع، لا يمكن فصل السلوك الأمريكي عن الدعم المطلق لكيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي يمثل رأس الحربة المتقدمة في منظومة الهيمنة بالمنطقة.
فـكَيان الاحتلال ليسَ مُجَـرّد حليف، بل وظيفة استراتيجية تُستخدم لابتزاز الأنظمة، وإشغال الشعوب، ومنع أي مشروع نهضوي مستقل.
ولهذا تُواجَه كُـلّ أشكال المقاومة لكَيان الاحتلال بحرب إعلامية وسياسية وعسكرية شرسة، لأنها في جوهرها مقاومة للمنظومة الأمريكية ذاتها.
أما دونالد ترامب، فقد جسّد النسخة الأكثر فجاجة لهذا النهج.
لم يكن داعيةَ سلام ولا رُجَلَ صفقات بريئة، بل عبّر بوضوحٍ غيرِ مسبوقٍ عن العقل الأمريكي حين يسقطُ عنه قناعُ الدبلوماسية.
سياسةُ الابتزاز العلني، وتحويل الحلفاء إلى ممولين، والاستخفاف بالقانون الدولي، لم تكن انحرافا عن المسار، بل كشفًا صريحًا لحقيقته.
فترامب لم يصنع هذا النهج، بل أظهره بلا مساحيق، مؤكّـدًا أن الأخلاقَ في السياسة الأمريكية ليست سوى أدَاة دعائية.
إن دعمَ حركات المقاومة في مختلف ساحات الصراع لا يمكنُ فهمُه خارجَ هذا السياق.
فهو ليس نزوةً أيديولوجيةً ولا مغامرةً عبثية، بل ردُّ فعل طبيعي على مشروع يسعى لتحويلِ الشعوب إلى أدوات تابعة في نظام عالمي غير عادل.
فعندما تُنهَب الثروات، وتُصادَر القرارات، ويُفرَضُ الإذلال السياسي، يصبح خيار المقاومة تعبيرًا عن الكرامة قبل أن يكون خيارًا عسكريًّا.
اليوم، تخوضُ أمريكا حروبَها الخارجيةَ لأنها تخشى فقدانَ موقعها، وتستعرض قوتها لأنها تشعر بقلق متزايد، وتزرع الفوضى؛ لأنها لا تعرف معنى الشراكة.
غير أن الخطر الحقيقي الذي يواجهها لم يعد محصورًا في سلاح خصومها، بل في وعي الشعوب التي باتت ترى الحقيقة دون أقنعة.
فالتاريخ الممتد لقرابة قرنين ونصف قرن، والمثقل بالحروب والانقلابات والإبادات، يضعُ أمريكا أمامَ محاكمة أخلاقية مفتوحة، تؤكّـد أن المشكلةَ لم تكن يومًا في الشعوب التي رفضت الخضوع، بل في إمبراطورية اعتادت أن تحكم العالم بالقوة، وها هي اليوم تخشى أن تراه خارج قبضتها.
التعليقات مغلقة.