15 يناير.. يومُ استهداف البشرِ والحجرِ في عدوانٍ بلا خطوطٍ حمراء
صنعاء سيتي | تقرير خاص
في الذاكرة اليمنية، لا يمرّ 15 يناير كتاريخٍ عابر، بل كعلامة دامغة على مرحلةٍ بلغ فيها العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي ذروة الاستهتار بكل القيم الإنسانية، حين تحوّلت الأسواق الشعبية والمزارع والمصانع والمنازل إلى أهداف مباشرة، وسقط المدنيون، أطفالًا ونساءً، ضحايا عدوانٍ لم يفرّق بين جبهةٍ وبيت، ولا بين موقعٍ عسكري وسوقٍ يعجّ بالحياة.
منذ عام 2016، يكشف هذا اليوم عن نمطٍ ثابت في سلوك العدوان، حيث استُهدفت المراكز الحيوية التي تمثّل شريان الحياة اليومية للمجتمع اليمني. قصفُ سوق الخميس في ساقين بصعدة، وتدمير مركزٍ طبي، ثم ضرب مصنعٍ للمواد الغذائية قرب جامعة ذمار، لم تكن حوادث معزولة، بل مؤشرات مبكرة على استراتيجية تضرب الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي، وتسعى إلى تحويل حياة المدنيين إلى معركة بقاء مفتوحة.
في 2017، ارتُكبت واحدة من أبشع الجرائم حين استُهدف سوق الإثنين في المتون بالجوف بصواريخ الكاتيوشا، فسقط شهداء وجرحى وسط المحلات المدمّرة. المشهد تكرّر في أعوام لاحقة بصيغ مختلفة: غارات على مزارع في الجراحي، وقنابل عنقودية في سحار، وقصف صاروخي ومدفعي على قرى حدودية في صعدة، لتصبح ساحات الرزق مسارح مفتوحة للموت.
على امتداد السنوات، لم يتوقف استهداف الطرق العامة، وأبراج الاتصالات، والمنازل، والورش، وحتى ورش إصلاح السيارات، كما حدث في حريب عام 2022 حين دمّرت الغارات عشرات المركبات في ورشة مواطنين. هذا النمط يعكس سعيًا ممنهجًا لتعطيل كل مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وإغراق المجتمع في دائرة العجز والحاجة.
في المحافظات الحدودية، خصوصًا صعدة، ظلّ القصف الصاروخي والمدفعي السعودي عنوانًا دائمًا ليوم 15 يناير: شهداء من الأطفال، مصابون من النساء، ومواشٍ تُنفَق، ومزارع تُحرَق. لم يكن ذلك ردًّا عسكريًا، بل سياسة عقاب جماعي طالت القرى الآمنة، وأكدت أن المدنيين هم الهدف الأسهل والأوضح.
حتى في السنوات التي خفّ فيها زخم الغارات الجوية، استمر النزيف عبر القصف المدفعي، والتحصينات القتالية في الحديدة وحيس والجبلية، لتبقى آلة الحرب دائرة على إيقاع واحد: إبقاء المدنيين تحت الضغط الدائم، ومنع أي تعافٍ حقيقي للحياة اليومية.
15 يناير ليس مجرد تاريخ في سجل العدوان، بل شاهدٌ متكرر على استراتيجية استهداف ممنهجة: ضرب الأسواق لكسر الاقتصاد الشعبي، قصف المزارع لتجفيف الغذاء، تدمير الورش والمصانع لتعطيل العمل، وإرهاب القرى الحدودية لإبقاء الخوف حاضرًا. إنها حربٌ على المجتمع ذاته، لا على خطوط القتال.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.