غزة تحت النار والبرد.. إبادة مستمرة وتهدئة بلا حماية

صنعاء سيتي | تقرير خاص

بين أرقام الشهداء التي تتصاعد، وصور الخيام التي تقتلعها الرياح، وصرخات الأطفال الذين يواجهون البرد بلا مأوى، تتكشف في غزة حقيقة قاسية: العدوان الصهيوني لم يتوقف، بل غيّرت أدواتها فقط.. فبينما يُفترض أن يسود “وقف إطلاق النار”، تستمر الإبادة بصور أخرى؛ قصف متقطّع، حصار خانق، منع للمساعدات، وكارثة إنسانية تتعمّق يومًا بعد يوم، في مشهد يفضح عجز المجتمع الدولي وصمت الضمير العالمي.

حصيلة ثقيلة.. ومعاناة بلا أفق

ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 71,424 شهيدًا وأكثر من 171,324 مصابًا، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. وخلال 24 ساعة فقط، استقبلت المستشفيات 5 شهداء و6 إصابات، في وقت أكدت فيه الوزارة أن مئات الضحايا ما زالوا تحت الركام وفي الطرقات، بسبب عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم نتيجة الدمار والمخاطر الميدانية المستمرة.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي، سُجّل 447 شهيدًا و1,246 مصابًا بنيران قوات كيان الاحتلال، إضافة إلى 697 جثمانًا تم انتشالها من تحت الأنقاض، في مؤشر واضح على أن التهدئة لم توفّر حماية حقيقية للمدنيين.

البرد يفتك بالأطفال.. مأساة تتجاوز القصف

لم تعد القنابل وحدها تحصد الأرواح في غزة، بل صار البرد القارس قاتلًا صامتًا، خصوصًا في مخيمات النزوح. فقد أعلنت وزارة الصحة ارتفاع وفيات الأطفال بسبب البرد إلى 7 حالات منذ بداية فصل الشتاء، بينهم أطفال رُضّع لم يجدوا دفئًا يقيهم قسوة الطقس.
وفي دير البلح، توفي، اليوم، طفل يبلغ عامًا واحدًا نتيجة انخفاض شديد في درجات الحرارة، في وقت تتفاقم فيه معاناة النازحين الذين يعيشون في خيام مهترئة، بلا وسائل تدفئة ولا أغطية كافية.

خروقات يومية.. ووقف نار على الورق

رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل قوات العدو الإسرائيلي خروقاتها اليومية عبر القصف الجوي والمدفعي ونسف المنازل.. فقد استهدفت المدفعية مناطق في خان يونس ورفح والبريج، فيما نفّذت قوات كيان الاحتلال عمليات نسف لمنازل جنوب شرقي مدينة غزة، وسط تحليق مكثّف للطيران الحربي.
هذه الخروقات، التي تتكرر بشكل شبه يومي، تؤكد أن “التهدئة” لم تتحول إلى واقع يحمي المدنيين، بل إلى غطاء هش تستمر تحته الانتهاكات.

كارثة المأوى: آلاف الخيام انهارت

المكتب الإعلامي الحكومي في غزة حذّر من تداعيات إنسانية كارثية بعد أن تسبّب المنخفض الجوي الأخير في انجراف نحو 7 آلاف خيمة خلال يومين فقط، تاركًا آلاف العائلات بلا مأوى.
وأشار المكتب إلى أن موجات البرد ترافقت مع انهيارات في المنازل المدمّرة، ما أدى إلى سقوط ضحايا جدد، لترتفع حصيلة ضحايا الانهيارات إلى 24 شهيدًا.
وفي ظل هذا الواقع، تتفاقم الأزمة بسبب غياب شبه كامل لمستلزمات التدفئة، والنقص الحاد في الأغطية والملابس الشتوية، إضافة إلى استمرار القيود الصارمة على إدخال المساعدات الإنسانية.

منظمات دولية: الوضع ينهار

الأمم المتحدة دقّت ناقوس الخطر، إذ أعلن المتحدث باسمها أن عدد حالات سوء التغذية الحاد في غزة ارتفع إلى نحو 95 ألف حالة، بعد فحص عشرات الآلاف من الأطفال خلال الأشهر الماضية.
كما أكدت “اليونيسف” أن أكثر من 100 طفل قُتلوا منذ وقف إطلاق النار، بمعدل طفل تقريبًا كل يوم، نتيجة الغارات والهجمات المختلفة، في وقت لا يزال فيه البقاء على قيد الحياة “غير مضمون”.
أما مكتب “أوتشا”، فقد حذّر من أن أكثر من 1.1 مليون شخص باتوا بحاجة ماسة إلى المأوى، مع استمرار العواصف المطرية التي دمّرت أجزاء واسعة من الملاجئ المؤقتة، مؤكدًا أن الخيام ليست سوى حلّ مؤقت لا يرقى لحجم الكارثة.

مواقف فلسطينية: إبادة بأدوات متعددة

حركة حماس أكدت أن استمرار سقوط الشهداء، سواء بالقصف أو بالبرد أو بانهيار المباني، كارثة إنسانية متفاقمة سببها المباشر سياسة كيان الاحتلال في منع إدخال المساعدات ومواد الإيواء، وفي مقدمتها الخيام والكرفانات ووسائل التدفئة.
وأكدت الحركة أن المجتمع الدولي أثبت فشله في حماية المدنيين، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بتحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، وإلزام الاحتلال بإدخال المساعدات دون قيد أو شرط.
من جهتها، شددت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على أن ما تبقى من منازل غزة تحوّل إلى خطر داهم يهدد حياة السكان يوميًا، مطالبة بتحرك دولي عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح والبنية الإنسانية.

صمت دولي يرقى إلى الشراكة

مقررة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيز، اعتبرت أن ما يُسمّى بخطة السلام في غزة أتاح للاحتلال مواصلة الإبادة، مشيرة إلى مئات القتلى وآلاف المباني المدمّرة منذ وقف إطلاق النار، وعرقلة وصول المساعدات المنقذة للحياة.
وأكدت أن المسألة لم تعد إن كان الإفلات من العقاب سيستمر، بل متى سيتوقف هذا الصمت الدولي الذي يحوّل التقاعس إلى شراكة فعلية في الجريمة.

إبادة مستمرة بأدوات متعددة

غزة اليوم ليست فقط ساحة حرب، بل ساحة اختبار للإنسانية جمعاء.. فبين القصف المتقطع، والحصار الخانق، والبرد القاتل، وانهيار المأوى، يعيش أكثر من مليوني إنسان في دائرة خطر دائم.
وإذا لم يتحول وقف إطلاق النار إلى حماية حقيقية، ولم يُكسر الحصار، ولم تُفتح المعابر أمام المساعدات، فإن ما يجري لن يبقى مجرد أزمة إنسانية، بل سيظل إبادة مستمرة بأدوات متعددة، في ظل صمت دولي يثقل الضمير العالمي ويضعه أمام مسؤولية تاريخية لا يمكن التهرّب منها.

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.