حين يقيّض الله للأُمَّـة من يكسر الطغيان

صنعاء سيتي | مقالات | بشير ربيع الصانع

 

من رحمةِ اللهِ بعباده أنّه سبحانَه لا يتركُ الظالمين والمتسلّطين والطغاة يعيثون في الأرض فسادًا بلا حساب، ولا يمكّن لهم أن يستمرّوا في غيّهم وجورهم وسطوتهم على الناس إلى ما لا نهاية، فسنّةُ الله في خلقه قائمة على العدل، ماضية لا تحابي أحدًا.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أخذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أخذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}، وقال جلّ شأنه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}.

فالله العادل الرحيم لا يقرّ الظلم، ولا يرضى بالاستعباد، ولا يترك عباده فريسةً للطغيان دون أن يهيّئ لهم من يوقظ وعيهم، ويبصّرهم بحقيقتهم، ويأخذ بأيديهم نحو التحرّر من الذلّ والخنوع.

ومن هنا جاءت الرسالات الإلهية، وجاء الأنبياء عليهم السلام في مفاصل التاريخ الكبرى ليقفوا في وجه الطغاة، ويعرّوا زيفهم، ويهدموا خرافاتهم، ويحرّروا الإنسان من عبودية الإنسان إلى عبودية ربّ الإنسان.

فإبراهيم عليه السلام كان مشروع مواجهةٍ شاملة للطغيان المتمثّل في النمرود، حين وقف في وجه سلطانه الزائف، وحطّم أصنام عقيدته، وأعلنها كلمةً مدوّيةً في وجه الاستكبار: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}.

فكانت البراءة موقفًا عمليًّا، ورفضًا جذريًّا لكل أشكال الطغيان.

وموسى عليه السلام أرسل في لحظةٍ بلغَ فيها فرعون ذروةَ الاستكبار، حين قال بلا مواربة: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأعلى}، وحوّل الناس إلى عبيدٍ مسلوبي الإرادَة، فكان خطاب الله حاسمًا: {اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}.

ولم تكن الرسالةُ مُجَـرّدَ موعظةٍ أخلاقية، بل مشروع تحريرٍ كامل، كسر كبرياء الطاغية، وفضح زيفه، وأنقذ بني إسرائيل من الاستعباد، ليعلّم البشرية أن الطغيان مهما بلغ، فإن نهايته حتمية، وأن الحقّ أقوى من كُـلّ جبروت.

وكذلك يوسف عليه السلام، الذي واجه منظومةً عقديةً واقتصاديةً متجذّرة، تقودها كهانة معابد آمون، وتستعبد الناس باسم الدين والخرافة، فكان صوته في غياهب السجن أعظم من قصور الملوك، حين قال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أم اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}، ليحرّر العقول قبل الأجساد، ويقود الناس من عبادة الأوثان والعبيد إلى عبادة ربّ العبيد.

والقرآن الكريم حافلٌ بهذه السنن الإلهية، يكرّرها لا للتسلية بل للهداية، لا لسرد التاريخ بل لصناعة الوعي.

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}.

إنها قصص تتجاوز الزمان والمكان، وتؤكّـد أن معركة الحقّ والباطل واحدة، وأن الطغيان وإن تبدّلت وجوهه وأسماؤه، فجوهره واحد، ومصيره واحد.

ومن هذا المنطلق يتجلّى السؤال المشروع: هل من عدل الله أن يترك الظالمين والمستبدّين في زماننا هذا يهيمنون على عبادِ الله، ويستعبدونهم، وينهبون خيراتهم، ويسلبون قرارهم، ويفسدون في الأرض، دون أن يقيّض للأُمَّـة من ينهض بها، ويقف في وجوههم، ويعيد لها وعيها وكرامتها؟ حاشا لله أن يكون ذلك، فسننه لا تتبدّل، وقوانينه لا تتعطّل.

قال تعالى: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}.

وحين بلغ الطغيانُ في عصرنا مداه، وتفرّدت أمريكا وكَيانُ الاحتلال بالهيمنة على الشعوب، ونهب الثروات، ومصادرة القرار، وانتهاك الكرامات، وقتل الإنسان وتشريده، حتى وصلت الأُمَّــة إلى حالةٍ من اليأس والإحباط، وفقدت الثقة بزعمائها وقادتها الذين لا موقف لهم، وباتت مستسلمةً لإرادَة المستكبرين، عندها قيّض الله للأُمَّـة الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه-، في لحظةٍ تاريخيةٍ مفصلية، ليعيد للأُمَّـة بوصلة الوعي، ويكسر حاجز الخوف، ويوقظ في النفوس معنى العبودية لله وحدَه.

جاء الشهيدُ القائدُ في زمنٍ كان فيه القرارُ الأمريكي والإسرائيلي هو السقفَ الأعلى، لا يُناقش ولا يُعارَض، وجاء برؤيةٍ قرآنيةٍ أصيلة، تستنهض الهمم، وتبعث الأمل، وتؤسّس لواقعٍ جديد، قاعدتُه أن الإنسانَ عبدٌ لله لا لغيره، وأن الأُمَّــة التي قال الله فيها: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّـة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} لا يجوز لها أن تكون ذيلًا للمستكبرين، ولا وقودًا لمشاريعهم، ولا ساحةً مفتوحةً لهيمنتهم.

رؤيةٌ أعادت الاعتبارَ للقرآن كمنهج حياة، لا كتاب تلاوةٍ معزولٍ عن الواقع، وربطت الإيمان بالموقف، والعقيدة بالمسؤولية.

وبرز الشهيد القائد -رضوان الله عليه- في مواجهة أمريكا وكَيان الاحتلال بروز الأنبياء والأولياء عبر التاريخ، بشجاعةٍ لا تعرف التردّد، وبعلمٍ يفضح الزيف، وبحكمةٍ تضع الأمور في نصابها، وبعزّةٍ لا تساوم، مصداقًا لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}.

فلم يخف في الله لومةَ لائم، ولم يتراجعْ أمام التهديد والضغط، بل مضى ثابتًا واثقًا بسُنَنِ الله ونصره.

ورفع شعار البراءة اقتدَاءً بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، براءةً من أعداء الله، ومن مشاريعهم، ومن ثقافتهم، ومن هيمنتهم، ثم تبعه بشعار المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والإسرائيلية؛ إدراكًا منه أن المعركة شاملة، وأن الاقتصاد أحد أخطر أدوات السيطرة، وأن دعم اقتصاد العدوّ هو تقويةٌ لسطوته على الأُمَّــة.

كما أعاد توجيهَ بُوصلة العداء من داخل الأُمَّــة إلى عدوها الحقيقي الذي حدّد الله معالمه في كتابه، وفنّد الثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة، وبنى وعيًا قرآنيًّا يرى في الجهاد والبذل والتضحية سبيلًا وحيدًا لرفع سطوة الأعداء، امتثالًا لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}.

وهكذا تتجلّى سنّةُ الله الواحدة التي لا تتبدّل، فذلك الإله الذي قيّض لإبراهيم عليه السلام أن يواجه النمرود، ولموسى عليه السلام أن يكسر جبروت فرعون، وليوسف عليه السلام أن يحرّر العقول من سطوة الكهانة والخرافة، هو الذي هيّأ في هذه المرحلة التاريخية الشهيدَ القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه-، ليكون منقذًا للأُمَّـة من أعتى منظومات الطغيان المعاصر، المتمثّلة في أمريكا وكَيان الاحتلال، وليحمل راية التحرير في زمنٍ ظنّ فيه المستكبرون أن الأُمَّــة قد ماتت، وأن روح المواجهة قد اندثرت إلى غير رجعة.

كان مشروع الشهيد القائد منهجيةً قرآنيةً متكاملة، زرعت الوعي، وبنت الإنسان، وأعادت تعريف العدوّ، وربطت الإيمان بالمسؤولية، والجهاد بالكرامة، والعبودية لله بالتحرّر من كُـلّ قيدٍ أمريكيٍ أَو صهيوني.

منهجية صنعت شعبًا لا يُهزم، وأعدّت أُمَّـة لا تنكسر، ووضعت الأَسَاس الصلب لمرحلةٍ جديدةٍ من الصراع، عنوانها أن زمن الاستضعاف قد ولّى، وأن زمن المبادرة قد بدأ.

ومن رحم تلك الرؤية، وببركة ذلك المشروع، نهض الشعبُ اليمني بقيادة أخيه وامتداد دربه، السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله-، ليقف في مقدّمة المشهد لا في الهامش، وليواجه أمريكا وكَيان الاحتلال ومخطّطاتهما مواجهة الأحرار.

فانتقلت الصرخة من كونها هُتافًا يوقظُ الضمائر، إلى معادلة ردعٍ ترعبُ الأعداء، وصارت كلماتُ البراءة صواريخَ عابرةً للبحار، وطائراتٍ مسيّرةً تضرب عمق كَيان الاحتلال الصهيوني، وقوارب تُغرق هيبة الأساطيل، نصرةً للمستضعفين في غزة، ووفاءً للعهد القرآني، وتجسيدًا عمليًّا لقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}.

وبهذا التحوّل التاريخي، لم يعد اليمن ساحةً مستباحة، ولا رقمًا هامشيًّا في معادلاتِ الصراع، بل أصبح قوةً إقليميةً يُحسَبُ لها ألف حساب، عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا؛ لأن مشروعه لم يُبنَ على التبعية، بل على القرآن، ولم يستند إلى الخارج، بل إلى الله، ولم ينطلق من وهم القوة، بل من يقين الحق.

وهنا يدرك الأعداء -وإن كابروا- أن الأُمَّــة التي تستعيد وعيها القرآني لا تُهزم، وأن سنّةَ الله إذَا تحقّقت، فلا أمريكا ولا كَيان الاحتلال قادرَان على إيقافها.

وهكذا يكتمل المشهد، وتُختم الحجّـة، بأن ما يجري اليوم هو الامتداد الطبيعي لسنّةٍ إلهيةٍ راسخة، مفادها أن الله لا يترك عباده، ولا يخذل المستضعفين، وأنه متى ما بلغ الطغيان مداه، هيّأ الله من يكسره، ومتى ما صدق الناس مع ربهم، جعلهم شهودًا على التاريخ، وصُنّاعًا للنصر، وورثةً حقيقيين لوعده الحق: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.

التعليقات مغلقة.