من التشخيص القرآني إلى الوقائع الراهنة: قراءة الشهيد القائد للصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني

 صنعاء سيتي | تقرير خاص

قدّم الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه منذ باكورة انطلاقته الثقافية قراءة فريدة لطبيعة الصراع مع أعداء الأمة، وفي المقدمة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. لم تكن رؤيته مجرد تحليل سياسي عابر، بل استندت إلى تشخيص قرآني للعقلية العدائية للعدو، وقدرته على لبس الحق بالباطل، وخلخلة القيم، وخلق الفوضى الأخلاقية والثقافية. وفي الذكرى السنوية لاستشهاده، يضع هذا التحقيق هذه الرؤية أمام اختبار الوقائع الراهنة، لا سيما في غزة، لمعرفة مدى صدقيتها وحدودها.

اليوم، تظهر التطورات في فلسطين مدى دقة رؤية الشهيد القائد رضوان الله عليه، فقد تنبأ باستمرار الهيمنة الأمريكية، وتكامل دور “إسرائيل” ضمن المنظومة الدولية، وأساليب التطويع والإغراء والتخويف التي تستخدم لاستهداف الأمة وتقويض إرادتها. ويعتمد هذا التحقيق على اقتباسات مباشرة من محاضراته وملزماته، مع ربطها بالوقائع الراهنة لإبراز مدى صدقيتها وحدودها.

كيف عرّف الشهيد القائد طبيعة الصراع؟

منذ بداية نشاطه الثقافي بين 2002 و2004، ركّز الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه على طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني كصراع وجودي شامل، لا مجرد نزاع حدودي. ففي محاضرة له عام 2003 في صنعاء، قال: “من يظن أن الصراع على فلسطين هو مجرد رقعة جغرافية لم يفهم اللعبة بعد. الصراع على وعي الأمة، على قيمها، على قدرتها على الاستمرار.” هذا التشخيص المبكر أظهر إدراكه لطبيعة الهيمنة الدولية وتكامل أدواتها، حيث اعتبر إسرائيل أداة ضمن منظومة دولية، لا ككيان منفصل، قادرة على توجيه الضربات السياسية والثقافية قبل العسكرية.

في ملزماته عام 2004، أضاف: “العدو يلبس الحق بالباطل، يشوّه الحقائق، ويخلق الفوضى الأخلاقية في حياة الأمم.” هذا التوصيف يشير إلى أن الهدف ليس مجرد السيطرة على أرض، بل على الفكر والعقل الجمعي للأمة. من هنا، كانت رؤيته للصراع متسقة مع تحليل طويل المدى، يتجاوز اللحظة العسكرية إلى تحليل الاستراتيجيات النفسية والثقافية، وهو ما يجعل تقييم الوقائع الراهنة ضرورة لفهم صدقيتها.

كما شدّد القائد على أن المشروع الصهيوني ليس مجرد دولة، بل شبكة مصالح دولية مترابطة مع الهيمنة الأمريكية. ففي محاضرة أخرى عام 2002، قال: “العدو لا يتحرك بمعزل عن حلفائه، وكل خطوة على الأرض مرتبطة بخطة شاملة لإضعاف الأمة.” هذه الرؤية لم تكن مجرد خطاب أيديولوجي، بل قراءة مبكرة لطبيعة الصراع الذي يظهر اليوم في غزة بكل وضوح، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية والسياسية والإعلامية.

إسرائيل داخل المنظومة الدولية – الوقائع تتكلم

تؤكد الوقائع الحديثة في غزة صحة تصور القائد بأن إسرائيل جزء لا يتجزأ من المنظومة الدولية. الدعم العسكري الأمريكي المستمر منذ تأسيس الدولة، والذي بلغ ذروته بعد الانتفاضتين الأولى والثانية، يوضح التكامل بين القوة الأمريكية والكيان الصهيوني. ميزانية المساعدات العسكرية السنوية تجاوزت مليارات الدولارات، شملت الأسلحة التقليدية، والتقنيات الاستخباراتية، والتدريب الاستراتيجي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على العمليات العسكرية في غزة، من القصف الجوي إلى الهجمات البرية والعمليات البحرية.

في مجلس الأمن، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو مرارًا لحماية إسرائيل من أي قرار يدين الاحتلال، بما في ذلك أكثر من 10 مرات بين عامي 2000 و2010. هذه الوقائع تتطابق مع ما أشار إليه القائد عام 2003: “إسرائيل تتحرك ضمن غطاء دولي كامل، لا تواجه العالم منفردة.” اليوم، في غزة، يترجم هذا التكامل إلى حصار شامل، وتشويه إعلامي مستمر، وتحويل الانقسام الفلسطيني إلى أداة لإضعاف أي فعل مقاوم فعال.

حتى في المجال الإعلامي، يغطي الإعلام الغربي والأممي الاحتلال بشكل محدود، بينما يركّز على الانقسام الداخلي والصراعات المحلية، ما يعكس بالضبط ما تنبأ به القائد: أن العدو يستثمر في تفكيك الأمة داخليًا قبل مواجهتها مباشرة. التكامل بين الدعم العسكري والسياسي والإعلامي يظهر أن إسرائيل تعمل كجزء من منظومة استراتيجيات متكاملة، وليس ككيان منفصل، وهو ما يجعل تقييم المقاومة الحالية أكثر وضوحًا.

من ناحية أخرى، فإن الردود الدولية الضعيفة أو الرمزية على الانتهاكات المتكررة في غزة تؤكد صدقية توقعاته: أن الهيمنة الدولية قادرة على إدارة الصراع وفق مصالحها، مع تقليص قدرة الأمة على الدفاع عن نفسها بشكل فعّال إلا عبر صمود واعٍ ومخطط له.

مسار التسويات… ماذا أنتج على الأرض؟

بدأت التسويات مع اتفاقيات أوسلو (1993) التي كانت تهدف رسميًا لإنهاء النزاع، لكنها في الواقع أعادت إنتاج عدم المساواة بين الاحتلال والفلسطينيين. أرض الواقع بعد أوسلو أظهرت توسع الاستيطان، والحد من سيادة السلطة الفلسطينية، وتزايد الضغوط الاقتصادية على غزة. الحصار أصبح أداة أساسية لتقييد الحركة الاقتصادية والسياسية، وهو ما ينطبق تمامًا على توقعات القائد بأن أي تسوية لن تعطي الفلسطينيين استقلالًا حقيقيًا.

ما تلا أوسلو من محاولات للتسوية، مثل المبادرة العربية للسلام 2002 وصفقة القرن الأخيرة، لم تغير هذا الواقع. الصفقة الأخيرة، التي رعتها الإدارة الأمريكية، حاولت إعادة رسم الخريطة الفلسطينية على حساب الحقوق التاريخية، مع غطاء سياسي جزئي من بعض الدول العربية، وهو ما يؤكد تقييم القائد المبكر بأن الأنظمة العربية غالبًا ما تكون غير فعالة في مواجهة الهيمنة.

الواقع في غزة اليوم يعكس نتائج هذه التسويات: الحصار المستمر، التدمير المتكرر للبنية التحتية، وتزايد الاستيطان في الضفة الغربية، كلها مؤشرات على محدودية أي تسوية. حتى المبادرات الدولية، التي يُفترض أن تحمي حقوق الإنسان، تبين محدوديتها أمام شبكة المصالح الدولية والإسرائيلية الأمريكية. الوقائع تؤكد أن الرؤية المبكرة للقائد حول مسار التسويات دقيقة، وأن أي تحرك سياسي أو اقتصادي معزول لن يكون كافيًا إلا إذا ارتبط بإرادة جماعية فلسطينية مدعومة بصمود طويل المدى.

الجهاد في سبيل الله: الوعي الغائب وبنية العجز العربي

تعامل الشهيد القائد رضوان الله عليه مع الجهاد في سبيل الله بوصفه حالة وعي قبل أن يكون فعل مواجهة، ومسؤولية إيمانية وأخلاقية لا تنفصل عن فهم طبيعة الصراع. في محاضراته المتعددة، لم يقدّم الجهاد كخيار اضطراري أو ردّ فعل مؤقت، بل كحالة اصطفاف واعٍ مع الحق في مواجهة منظومة هيمنة تعمل على إخضاع الأمة، وتفريغها من إرادتها وقيمها. هذا الفهم يجعل الجهاد مرتبطًا بالوعي والبصيرة، لا بالاندفاع، ويضعه في موقع الدفاع عن الهوية والكرامة قبل الأرض.

هذا التصور يتقاطع اليوم بوضوح مع ما يجري في غزة، حيث يظهر أن الصمود لم يكن نتاج تفوق عسكري، بل ثمرة وعي جمعي يرى المواجهة باعتبارها واجبًا وجوديًا لا يمكن التفلت منه. استمرار الفعل في ظل الحصار والدمار والخسائر البشرية يكشف أن الجهاد، كما فهمه الشهيد القائد، ليس عبثًا ولا مغامرة، بل استجابة واعية لمسار طويل من القهر والإخضاع، ومحاولة كسر الإرادة قبل كسر الجسد.

في المقابل، كان الشهيد القائد شديد الوضوح في توصيفه لدور الأنظمة العربية، معتبرًا أن الخلل ليس طارئًا بل بنيويًا. ارتهان القرار السياسي، تغييب الشعوب، وتحويل القضايا المركزية إلى ملفات تفاوضية باردة، كلها عوامل أفرغت مفهوم الجهاد من مضمونه في الخطاب الرسمي، وحولته إلى عبء أو تهمة. الوقائع الراهنة، من بيانات الشجب المتكررة إلى مسار التطبيع وغياب أي ضغط حقيقي على الاحتلال، تعكس هذا العجز البنيوي الذي حذّر منه مبكرًا.

ضمن هذا السياق، يتضح أن الجهاد في سبيل الله، كما طرحه الشهيد القائد، لم يكن موجّهًا فقط ضد الاحتلال، بل ضد حالة الاستسلام الداخلي والهزيمة النفسية التي تسبق أي هزيمة ميدانية. وما يظهره المشهد في غزة اليوم هو أن كسر الإرادة لم ينجح، لأن الوعي – الذي اعتبره القائد أساس الجهاد – لم يُستأصل. هنا، لا يعود السؤال ما إذا كان الجهاد خيارًا مكلفًا، بل ما إذا كان التخلي عنه هو الكلفة الأكبر على وجود الأمة ومعناها.

دقة الرؤية وحدود الوقائع

اختبار رؤية الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه بالوقائع الحالية يظهر دقتها العالية، خصوصًا في وصف الصراع كمسار طويل متكامل، تتداخل فيه الهيمنة الدولية مع أدوات الاحتلال، وتبقى المقاومة والوعي الجمعي هما محور الصمود. غزة اليوم، بحصارها المستمر وعملياتها الدفاعية المستمرة، تعكس صدقية معظم تحليلاته المبكرة.

مع ذلك، تكشف الوقائع أيضًا حدود هذه الرؤية: التغيرات الإقليمية والدولية، وتطور أساليب الاحتلال والسيطرة، تجعل الصراع أكثر تعقيدًا من أي توقع سابق. الصمود وحده لا يكفي، لكنه يضع الأمة أمام سؤال مفتوح: هل ستستطيع مواجهة هذا الصراع المستمر بالإدراك العميق لبنيته، أم أن الواقع يفرض أسئلة جديدة لم يُجب عنها أحد بعد؟

 

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.