العزة الإيمانية في مواجهة الطغيان الصهيوني
صنعاء سيتي | متابعات
كسنة ثابتة، فإن من المعلوم أن مراحل الصراع مع الأعداء يصحبها حالات طبيعية من الخوف ونقص في الأموال والأنفس والثمرات، هذه الحالات ليست غريبة على البشر في تجارب المواجهة والشدائد، لكن الجوهر الحقيقي يكمن في كيفية التعامل مع هذه الابتلاءات، فالمؤمنون عندما يمرون بمثل هذه الظروف، لا تضعف هممهم، بل تمنحهم التجربة صبراً وتجلداً، وهذا لأن مصدر الصبر عندهم هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى، مما يحول الابتلاء إلى حالة إيجابية تزيد من قوتهم وثباتهم، فالصبر هنا لا يكون سلبيا، وإنما هو صبر فعال وواعٍ، كشرط للنجاح في هذا الامتحان الإلهي الذي يمنح النفس منعة وصلابة.
لذلك، فإن الخيار الأسمى للإنسان في هذه المعادلة هو أن يجعل صبره في سبيل الله، لا على إذلال الأعداء، فالمقارنة واضحة إما أن تموت ميتة كريمة سعياً في طريق الله، وإما أن تموت ميتة ذليلة تحت نير القهر والعبودية للطواغيت، أليس من الأفضل أن تصبر وأنت في موقع العزة، حيث تكون أنت الفاعل المؤثر الذي يلحق الألم والضرر بالعدو، ويجعله هو الذي “يصيح” منك؟ أم أن تصبر على انتهاك بيتك، ونهب أموالك، وتهديد عرضك، وقيادتك مقيداً أمام أحبائك إلى السجن والتعذيب، حيث تكون أنت وحدك من “يصيح” من شدة الألم والذل؟
الصور المؤلمة في بلدان عدة خير شاهد على هذا النوع من المعاناة، فالذين يصبرون على الذلة يعيشون في حلقات مفرغة من الألم دون أمل، أما الذين يصبرون في سبيل الله، فإن صبرهم يكون في طريق العزة، حتى لو كان الثمن باهظاً، لأن النتيجة النهائية هي تحقيق الكرامة والنصر.
إن السير في سبيل الله مع الصبر ليس ضماناً لحياة مستقرة خالية من الألم في اللحظة ذاتها، لكنه ضمان للعزة في الدنيا والفوز في الآخرة، إنها معادلة إيمانية واستراتيجية في آن واحد “الصبر النشط في طريق الحق خير وأفضل من الصبر السلبي على الباطل، من حيث الوقت والغاية والنتيجة.
في الدرس الثامن من المحاضرات الرمضانية التي ألقاها شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله تحدث عن الصبر العملي وأهميته في مقام العمل وما يحققه من نتائج إيجابية، حيث يقول: “في مراحل الصراع مع أعداء الله يحصل حالة خوف، أليست طبيعية في الصراع عند البشر كبشر يحصل خوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات أليست هذه تحصل؟ لكن المؤمنين أنفسهم عندما يمرون بأشياء من هذه تعطيهم تجلدا تعطيهم صبرا، وعندما تكون هي من جهة الله سبحانه وتعالى تكون إيجابية أيضاً في نفس الوقت إيجابية، فيجب هنا أن تصبر، تصبر لتنجح في هذا الابتلاء الإلهي الذي يعطيك في نفس الوقت تجلدا؛ لأن ما يمكن أن يحصل عليك وأنت في مواجهة العدو كمجتمع وكأفراد هي هذه: حالة خوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات”.
ثم يتحدث شهيد القرآن الصبر في هذا المقاوم هو الأصلح لنا في الدنيا والآخرة لما له من ثمار طيبة، فيقول :”إذاً فالأفضل للإنسان هي نفس القضية الأولى أنت ستموت، أفضل لك أن تحاول أن تعمل في مجال لتحصل فيه أن تستشهد في سبيل الله وإلا ستموت، أليس هذا أفضل من أن تموت أفضل لك أن تصبر في سبيل الله من أن تصبر على الذلة والإهانة والقهر والعبودية والاستذلال وتسلط الأعداء، أفضل لي أن أسير أنا ويكون الأعداء هم الذين يصيحون مني، الذي أضرِب أفضل من أن أكون أنا الذي أضرَب والذي أقهر وأذل وأصيح أنا وكل أسرتي وكل الناس من حولي، أليس هذا أفضل لك تصبر في طريق أنت فيها الذي تضرب وتؤلم الآخر وتغيض الآخر وتهزم الآخر؟ ولا أن تكون أنت الذي ماذا؟ الآخر العدو هو الذي يقتحم عليك بيتك هو الذي ينتهك عرضك هو الذي ينهب أموالك هو الذي يذلك ويقهرك”.
“إذاً هل هناك جديد بالنسبة لك عندما تصبر في سبيل الله أو أنه أفضل، أفضل أن تصبر في سبيل الله هو الصبر الذي هو في مقام عزة ورفعة والآخر يصيح منك، وإلا ستصبر في وقت أنت الذي تصيح فقط والعدو لا يصيح منك أنت الذي تصيح أنت بيتك دمروه نهبوه دخلوا يربطونك أمام زوجتك ويقودونك إلى السجن ويعذبونك يهود أعداء من أشد الأعداء، ألست أنت الذي تصيح لوحدك؟ وأنت تصبر في سبيل الله أنت تجعل الآخرين يصيحون منك، إذاً ما معناه بأنه لا بد أن نمشي في سبيل الله ونصبر أننا إذا لم نكن على هذا النحو سنعيش في حالة استقرار وسعادة ولا هو حاصل علينا شيء؟ لا. ستجد أن هذه الحالة أفضل، أفضل بكثير في وقتها وفي غايتها وفي نتيجتها”.
بناءً على التوجيه القرآني الكريم {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}، فإن الموقف الإيماني الثابت للأمة القرآنية يتمحور حول الخشية من الله وحده دون سواه، عندما يوجه الإنسان خشيته لغير الله، فإن هذا يؤدي به حتماً إلى الانحناء والتأقلم والتراجع عن مواقفه لكي لا يثير من يخشاهم.
الخشية من غير الله تعكس جهلاً بحقيقة الله وجهلًا باليوم الآخر، وتستدعي مراجعة الحسابات الإيمانية، فلو تأملنا مثلاً في الخوف من قوة مثل أمريكا بكل ما تملكه من أسلحة وإمكانات، فإن التساؤل الجوهري هو: هل يمكن أن تعادل ما تملكه أمريكا ولو يوماً واحداً في عذاب جهنم؟ الجواب قطعاً: لا. فما عند الله من عذاب شديد يفوق بكثير ما يمكن أن يلحقه أي عدو مهما بلغت قوته، حتى لو توجهت كل أسلحة أمريكا نحو فرد واحد، فإن الخوف منها يبقى غير مبرر إيمانياً أمام خشية الله وعذابه.
الخطر الحقيقي ليس في الدخول في مواجهة مع أمريكا، بل الخطر في أن تتحول خشية البشر إلى حاجز بين العبد وربه، الأمة القرآنية تدرك أن القوة الحقيقية هي في التمسك بالله، وأن ما عند الله خير وأبقى، وأن عذاب جهنم أشد وأبقى من أي قوة بشرية.
لذلك، فإن التوجه الصحيح هو ترتيب الأولويات: الخشية لله وحده، والاستعانة به وحده، والثقة بما عنده وحده، وأن النصر من عنده، فهذا هو منهج القرآن وهو المنهج الذي يحقق العزة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
يقول شهيد القرآن عن الموضوع في محاضرة “خطر دخول أمريكا اليمن” وهو يتحدث عن قول الله: “{فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}(المائدة: من الآية44) متى ما اتجه الإنسان إلى أن يصغي لأن يخشى من غير الله فبالتأكيد ينحني، أخيراً يؤقلم عمله وتوجهه ومواقفه بالشكل الذي لا يثير من يخشاهم، إذاً الخشية عندما يكون الإنسان يخشى غير الله، هي حالة تبين بأنك جاهل لله وجاهل باليوم الآخر…إذاً تراجع حساباتك، متى ما كنت تخشى آخرين تخشى من ـ مثلاً ـ أمريكا الكبيرة في الأرض هذه أليس لديها الأسلحة الكثيرة ولديها الإمكانات الكثيرة؟ هل يمكن أن تعتبر ما لديها يساوي يوما واحداً في جهنم؟ أبداً ، فهل تخاف ما لدى أمريكا عندما لا تكون إلا أنت، وأمريكا كلها متوجهة بكل ما تملك من أسلحة لتصبها عليك أنت وحدك؟ يجب أن لا تخشاها لأن ما لدى الله من عذاب شديد هو أشد بكثير، بكثير لا يساوي ما لدى الآخرين يوما واحدا في جهنم ولا ساعة واحدة في جهنم”.
إن نموذج شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه يجسد القيم الإيمانية والإنسانية الرفيعة، وعلى رأسها قيمة العزة التي كانت سمة بارزة في شخصيته، فقد كان عزيزاً أبياً، متشبعاً بمعنى العزة الإلهية التي أكدها القرآن الكريم: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. هذه العزة التي نبعَت من إيمانه المتكامل جعلته يرفض الذل والهوان والقهر بكل أشكاله، ولا يستسيغ الظلم أبداً.
لقد كان العزة تشع من جوانحه، فتدفعه إلى المواقف العزيزة والأقوال العزيزة، تجلت هذه القيمة في شموخه وإبائه وثباته ومنطقه القويم، فلم يكن للذل أو الهوان أو الضيم مكان في حياته، كان حراً يأبى الظلم، نموذجاً حياً لتلك القيمة الإيمانية التي غابت للأسف في واقع الأمة، حيث سادت ثقافة الذل والترويج للخنوع والسكوت على الهوان.
إن شهيد القرآن يمثل النموذج الحي الذي يجمع بين العزة الإيمانية والروح الجهادية، ليكون مثالاً يحتذى في مواجهة التحديات والانتصار على الأعداء.
وعن العزة والإباء التي تحلى بها شهيد القرآن، يقول السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في ذكرى تأبين شهيد القرآن: “بإيمانه المتكامل كان عزيزاً وأبياً ، لا يقبل بالذل ولا يقبل بالهوان، ولا يقبل بالقهر، ولا يستسيغ لا يستسيغ الظلم أبداً. ولا يستسيغ الهوان أبداً. عزيزاً يشعر بالعزة ملأ جوانحه، وتدفعه حالة العزة للموقف العزيز والكلام العزيز، تجلت هذه العزة وظهرت في موقفه، في شموخه، في إبائه، في حزمه، في ثباته، في كلامه، في منطقه، فلا مكان عنده أبداً للذل ولا للهوان ولا للقهر ولا للضيم، كان أبياً يأبى الضيم، ويأبى الظلم وحراً، وهذه من القيم التي غابت إلى حدٍ كبير في واقع الأمة، بل أصبحت في تلك المرحلة التي تحرك فيها ثقافة الذل والترويج للذل والترويج للقبول بحالة الهوان، والترويج لحالة السكوت أصبحت ثقافةً سائدة، وحالةً راسخةً قائمة.
فالكثير ممن فقدوا الشعور بالعزة، وفقدوا هذه القيمة الإيمانية والإنسانية، فقبلوا بالذل والهوان لم يقبلوا به فحسب، بل انطلقوا ليعمموا تلك الحالة ويصبح لها ثقافة، ويصبح لها رؤية، ويصبح لها فكر، ويصبح لها ترويج، ولها منابر ولها تبريرات كثيرة وكثيرة وكثيرة، حتى تبريرات دينية.
أما هو فكان عزيزاً بعزة الإيمان، بعزة القرآن، بعزة هذا الانتماء الإيماني القرآني الإسلامي بإنسانيته أيضاً، فلم يستسغ الظلم أبداً”.
بعد استعراض أركان المعادلة الإيمانية للصراع والنصر، يتبين لنا أن النجاح في مواجهة التحديات ليس مرهوناً بالتوازنات المادية فحسب، بل هو نتاج منظومة قيمية متكاملة تتجسد في الصبر الاختياري الفاعل الذي يتحول من حالة سلبية إلى مشروع تحرري، حيث يصبح الابتلاء وسيلة للتقوية والتمكين، ويُختار الموت في سبيل الله على الحياة تحت نير الذل والهوان.
كذلك الخوف الموجه لله وحده، الذي يحرر الإنسان من رهبة القوى الأرضية، ويربي فيه المنعة النفسية التي تجعله يدرك أن عذاب الدنيا -مهما عظم- لا يقاس بلحظة في عذاب الآخرة، إضافة إلى العزة الإيمانية المستمدة من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، والتي تتحول إلى سلوك عملي يرفض الظلم والهوان، ويجعل من المؤمن عنصراً فاعلاً لا منفعلاً، وكذلك النموذج الحي الذي جسده شهيد القرآن في شخصيته ومسيرته، ليكون دليلاً عملياً على إمكانية تجسيد هذه القيم في واقع الأمة، وإحياء الروح الجهادية كخيار استراتيجي للدفاع عن الكرامة والمقدسات.
إن السير في هذا المنهج يضمن العزة الدائمة، والنصر النهائي، لأنه مرتبط بقوة القيوم الذي بيده ملكوت السماوات والأرض.
*نقلاً عن موقع أنصار الله
التعليقات مغلقة.