نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع.. اليمن يدخل بوابة الاكتفاء الذاتي

صنعاء سيتي | تقرير خاص

لم تكن معركة اليمن مع قوى العدوان والاستكبار معركة جبهات وحدود فحسب، بل كانت – في جوهرها الأعمق – معركة على لقمة العيش، وعلى من يمتلك قرار الغذاء والدواء والكساء، ومن يتحكّم برغيف الخبز وقوت الفقراء.
فعلى مدى عقود طويلة، جرى تفريغ الأرض اليمنية من دورها الإنتاجي، وتحويل المجتمع من شعبٍ يزرع ويصنع ويكتفي، إلى مجتمعٍ مستهلكٍ مرتهنٍ لمخازن القمح العالمية، وأسواق الألبان الأجنبية، ومصانع النسيج المستوردة، ضمن سياسة ممنهجة هدفت إلى إخضاع القرار الوطني عبر سلاح الغذاء والاحتياج.

وجاءت ثورة 21 سبتمبر لتقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب: حرّرت القرار السياسي، وأعادت تعريف المعركة بوصفها معركة سيادة شاملة، كان في صلبها تحرير الاقتصاد من التبعية، وتحويل الاكتفاء الذاتي من شعار أخلاقي إلى مشروع وطني وسيادي متكامل.

كيف صُنعت التبعية الغذائية والصناعية كسلاح ضد القرار الوطني؟

لم يكن تراجع الإنتاج في اليمن ناتجًا عن ضعف الموارد أو قصور الإنسان، بل عن سياسات متعمدة استهدفت تفكيك المجتمع المنتج وتحويله إلى مجتمع استهلاكي، عبر مسارات متوازية:

  • تفكيك البنية الريفية وإهمال صغار المزارعين، وضرب منظومات الري التقليدية، وتجفيف الاستثمارات الزراعية.

  • إغراق الأسواق بالمستورد، خصوصًا القمح والألبان والملبوسات، حتى تحوّلت الزراعة والصناعة المحلية إلى نشاط خاسر اقتصاديًا.

  • ضرب السيادة على البذور عبر الارتهان للشركات الأجنبية وربط الأمن الغذائي بالبذور المستوردة والتقنيات المحتكرة.

  • تحويل الإغاثة إلى بديل عن الإنتاج، واستخدام المنظمات الدولية كأداة تعطيل ناعمة للاعتماد على الذات.

  • تفكيك سلاسل القيمة الصناعية من القطن إلى الغزل والنسيج، وتعطيل المصانع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مصنع الغزل والنسيج.

النتيجة: واقع اقتصادي مُخيف

  • فجوة غذائية قاربت 94% في القمح، وأكثر من 86% في الذرة الشامية.

  • فاتورة استيراد غذائي تجاوزت مليار دولار سنويًا.

  • إنفاق مئات الملايين من الدولارات على الألبان ومشتقاتها في بلد يمتلك ثروة حيوانية واسعة.

  • قفز واردات الملبوسات إلى مئات الملايين مقابل تعطيل آلاف فرص العمل المحلية.

لم يكن ذلك خللًا تقنيًا عابرًا، بل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي جعل الغذاء والدواء والكساء أدوات ابتزاز سياسي بيد واشنطن وحلفائها، وسلاحًا موازياً للطائرات والصواريخ في حربهم على اليمن.

من التبعية إلى الاكتفاء.. التحوّل الميداني بالأرقام والوقائع

ما يميّز المرحلة الراهنة أن الاكتفاء الذاتي لم يعد خطابًا إنشائيًا، بل تحوّل إلى سياسات وأرقام ومشاريع ميدانية تعيد بناء الاقتصاد من القاعدة.

1) الزراعة.. حين تحوّلت الأرض إلى جبهة سيادة

أحد أعظم التحولات بعد ثورة 21 سبتمبر كان الانتقال من الزراعة الفردية المعزولة إلى نموذج الإنتاج المجتمعي المنظّم:

  • تنظيم أكثر من مليون حيازة زراعية في مجاميع إنتاجية وسلاسل قيمة.

  • خفض تكاليف الإنتاج ورفع المردودية عبر التوسع الرأسي.

  • ربط الحقل بالصناعة والتسويق ضمن دورة وطنية متكاملة.

وفي قطاع الحبوب تحديدًا:

  • تحوّلت محافظة الجوف إلى سلة غلال حقيقية.

  • استعادت الحديدة وتهامة دورهما التاريخي في زراعة القمح.

  • خرجت الذرة الشامية من دائرة الارتهان للأعلاف المستوردة بفضل الزراعة التعاقدية وربط المزارعين بالمصانع.

وفي الخضار والفواكه:

  • قفز الإنتاج من 888 ألف طن إلى أكثر من 1.1 مليون طن خلال خمس سنوات.

  • تحقيق الاكتفاء من بذور البطاطس بحلول 2024.

  • توسّع المساحات المزروعة، وصعود محافظات مثل ذمار وتعز والحديدة كأعمدة للأمن الغذائي.

  • ارتفاع إنتاج الفواكه إلى أكثر من مليون طن سنويًا تتصدره المانجو التهامية التي تحولت إلى سلعة سيادية قابلة للتصدير.

2) توطين صناعة الألبان.. من الاستيراد إلى الإنتاج

في نموذج غير مسبوق، أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة الحليب ومشتقاته، وكانت النتائج خلال أقل من ثلاث سنوات لافتة:

  • رفع الإنتاج اليومي من 16 ألف لتر إلى أكثر من 157 ألف لتر.

  • زيادة الأبقار المنتجة من 4 آلاف إلى نحو 40 ألف بقرة.

  • إنتاج أكثر من 81 مليون لتر بقيمة تجاوزت 34.5 مليار ريال.

  • توفير قرابة 19 مليون دولار سنويًا من فاتورة الاستيراد.

  • خلق أكثر من 20 ألف فرصة عمل مباشرة في محافظة الحديدة وحدها.

لم يكن ذلك مشروعًا زراعيًا فقط، بل هندسة اقتصادية واجتماعية شاملة شملت:
تمكين الجمعيات التعاونية، دعم أسر الشهداء والجرحى والمعاقين، إنشاء مراكز تجميع الحليب والعيادات البيطرية ومصانع الأعلاف، وتحويل آلاف الأسر من خانة الاحتياج إلى خانة الإنتاج.

هكذا تحوّل شعار «نأكل مما نزرع» من خطاب تعبوي إلى واقع اقتصادي ملموس.

3) الصناعة.. «نلبس مما نصنع» يتحول إلى واقع سيادي

في قلب صنعاء، ومن معامل «عالم النسيج» إلى برامج الصناعات القطنية، تتشكل ملامح معركة الاستقلال الاقتصادي:

  • قفز إنتاج «عالم النسيج» من 200 ألف قطعة إلى نحو 800 ألف قطعة سنويًا خلال ثلاث سنوات.

  • تشغيل أكثر من 800 عامل وعاملة في خطوط إنتاج متطورة.

  • إدخال تقنيات حديثة: ليزر، تطريز رقمي، طباعة أقمشة.

  • خفض أسعار الملابس بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالمستورد.

وبالتوازي، أُطلق برنامج تعزيز الصناعات القطنية لإعادة بناء السلسلة من الزراعة إلى المنتج النهائي، في خطوة تعيد لليمن هويته التاريخية كبلدٍ صانع لا مجرّد مستهلك.

وعلى مستوى السياسات العامة:

  • دعم حكومي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

  • منع استيراد عشرات السلع التي يغطيها الإنتاج المحلي.

  • قانون استثمار جديد يوفّر حوافز وضمانات للصناعة الوطنية.

إن ما يجري اليوم ليس تعافي قطاع، بل إعادة بناء منظومة القيم الإنتاجية التي جرى تدميرها لصالح ثقافة الاستهلاك والارتهان.

الاكتفاء الذاتي.. من خيار اقتصادي إلى فريضة إيمانية

التحوّل الذي يشهده اليمن لا تحكمه معادلات السوق وحدها، بل تقوده رؤية قرآنية وسيادية رسّخها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، ويؤكدها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في خطاباته المتعددة:

  • الاعتماد على الذات جزء من كمال الإيمان.

  • ترك الأرض بورًا مع القدرة على زراعتها تفريط في نعمة الله.

  • التحرر من التبعية الاقتصادية شرط للتحرر السياسي.

فالقرآن الكريم يربط بين الإيمان والعمل، وبين شكر النعمة وحفظها:
﴿كُلُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾
ويجعل من السعي في الأرض وإعمارها سلوكًا إيمانيًا لا خيارًا ثانويًا.

كما أن الأمر الإلهي بالإعداد:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
لا ينحصر في السلاح، بل يشمل القوة الاقتصادية والغذائية والصناعية.

من هنا، تحوّلت الزراعة والصناعة في اليمن إلى:

  • جبهة جهاد تنموي في مواجهة الحصار.

  • درع سيادة يكسر سلاح التجويع.

  • مسار تحرري يعيد الاعتبار للإنسان المنتج لا المستهلك.

حين يصبح الاكتفاء موقفًا

ما يشهده اليمن اليوم ليس إصلاحًا عابرًا، بل تحوّلًا تاريخيًا في علاقة الإنسان بالأرض، والدولة بالاقتصاد، والمجتمع بذاته.
لقد أعادت ثورة 21 سبتمبر الاعتبار للزراعة والصناعة كقضيتي سيادة لا خدمات، وحرّرت القرار الاقتصادي من الوصاية الأمريكية والخليجية، وفتحت الطريق أمام مشروع وطني طموح يجعل من اليمن بلدًا:

يأكل مما يزرع، ويلبس مما يصنع، ويصمد في وجه العدوان بما ينتج.

إنها معركة طويلة، نعم.. لكن اتجاهها محسوم، ما دام القرار محرّرًا، والإرادة حيّة، وما دامت الأرض اليمنية ما تزال تنبض بالعطاء.

*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.